هذه هي الفطرة التي فطر عليها الإنسان لحكمة عليا تناسب خلافته للأرض , ودوره في هذه الخلافة . فهذا الدور يقتضي تحوير الحياة وتطويرها حتى تبلغ الكمال المقدر لها في علم الله . ومن ثم ركز في الفطرة البشرية حب التغيير والتبديل ; وحب الكشف والاستطلاع , وحب الانتقال من حال إلى حال , ومن مكان إلى مكان , ومن مشهد إلى مشهد , ومن نظام إلى نظام . . وذلك كي يندفع الإنسان في طريقه , يغير في واقع الحياة , ويكشف عن مجاهل الأرض , ويبدع في نظم المجتمع وفي أشكال المادة . . ومن وراء التغير والكشف والإبداع ترتقي الحياة وتتطور ; وتصل شيئا فشيئا إلى الكمال المقدر لها في علم الله .
نعم إنه مركوز في الفطرة كذلك ألفة القديم , والتعلق بالمألوف , والمحافظة على العادة . ولكن ذلك كله بدرجة لا تشل عملية التطور والإبداع , ولا تعوق الحياة عن الرقي والارتفاع . ولا تنتهي بالأفكار والأوضاع إلى الجمود والركود . إنما هي المقاومة التي تضمن التوازن مع الاندفاع . وكلما اختل التوازن فغلب الجمود في بيئة من البيئات انبعثت الثورة التي تدفع بالعجلة دفعة قوية قد تتجاوز حدود الاعتدال . وخير الفترات هي فترات التعادل بين قوتي الدفع والجذب , والتوازن بين الدوافع والضوابط في جهاز الحياة .
فأما إذا غلب الركود والجمود . فهو الإعلان بانحسار دوافع الحياة , وهو الإيذان بالموت في حياة الأفراد والجماعات سواء .
هذه هي الفطرة المناسبة لخلافة الإنسان في الأرض . فأما في الجنة وهي دار الكمال المطلق . . فإن هذه الفطرة لا تقابلها وظيفة . ولو بقيت النفس بفطرة الأرض , وعاشت في هذا النعيم المقيم الذي لا تخشى عليه النفاد , ولا تتحول هي عنه , ولا يتحول هو عنها لانقلب النعيم جحيما لهذه النفس بعد فترة من الزمان ; ولأصبحت الجنة سجنا لنزلائها يودون لو يغادرونه فترة , ولو إلى الجحيم , ليرضوا نزعة التغيير والتبديل !
ولكن باريء هذه النفس - وهو أعلم بها - يحول رغباتها , فلا تعود تبغى التحول عن الجنة , وذلك في مقابل الخلود الذي لا تحول له ولا نفاد !
الدرس السابع:لانهاية لعلم الله ولا لكلماته
وأما الإيقاع الثاني فيصور العلم البشري المحدود بالقياس إلى العلم الإلهي الذي ليست له حدود ; ويقربه إلى تصور البشر القاصر بمثال محسوس على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير .
(قل:لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي , ولو جئنا بمثله مددا). .
والبحر أوسع وأغزر ما يعرفه البشر . والبشر يكتبون بالمداد كل ما يكتبون ; وكل ما يسجلون به علمهم الذي يعتقدون أنه غزير !
فالسياق يعرض لهم البحر بسعته وغزارته في صورة مداد يكتبون به كلمات الله الدالة على علمه ; فإذا البحر ينفد وكلمات الله لا تنفد . ثم إذا هو يمدهم ببحر آخر مثله , ثم إذا البحر الآخر ينفد كذلك وكلمات الله تنتظر المداد !
وبهذا التصوير المحسوس والحركة المجسمة يقرب إلى التصور البشري المحدود معنى غير المحدود , ونسبة المحدود إليه مهما عظم واتسع .
والمعنى الكلي المجرد يظل حائرا في التصور البشري ومائعا حتى يتمثل في صورة محسوسة . ومهما أوتي العقل البشري من القدرة على التجريد فإنه يظل في حاجة إلى تمثل المعنى المجرد في صور وأشكال وخصائص ونماذج . . ذلك شأنه مع المعاني المجردة التي تمثل المحدود , فكيف بغير المحدود ?