لذلك يضرب القرآن الأمثال للناس ; ويقرب إلى حسهم معانيه الكبرى بوضعها في صور ومشاهد , ومحسوسات ذات مقومات وخصائص وأشكال على مثال هذا المثال .
والبحر في هذا المثال يمثل علم الإنسان الذي يظنه واسعا غزيرا . وهو - على سعته وغزارته - محدود . وكلمات الله تمثل العلم الإلهي الذي لا حدود له , والذي لا يدرك البشر نهايته ; بل لا يستطيعون تلقيه وتسجيله . فضلا على محاكاته .
ولقد يدرك البشر الغرور بما يكشفونه من أسرار في أنفسهم وفي الآفاق , فتأخذهم نشوة الظفر العلمي , فيحسبون أنهم علموا كل شيء , أو أنهم في الطريق !
ولكن المجهول يواجههم بآفاقه المترامية التي لا حد لها , فإذا هم ما يزالون على خطوات من الشاطيء , والخضم أمامهم أبعد من الأفق الذي تدركه أبصارهم !
إن ما يطيق الإنسان تلقيه وتسجيله من علم الله ضئيل قليل , لأنه يمثل نسبة المحدود إلى غير المحدود .
فليعلم الإنسان ما يعلم ; وليكشف من أسرار هذا الوجود ما يكشف . . ولكن ليطامن من غروره العلمي , فسيظل أقصى ما يبلغه علمه أن يكون البحر مدادا في يده . وسينفد البحر وكلمات الله لم تنفد ; ولو أمده الله ببحر مثله فسينتهي من بين يديه وكلمات الله ليست إلى نفاد . .
الدرس الثامن:110 النبوة والعمل الصالح مع الإخلاص
وفي ظل هذا المشهد الذي يتضاءل فيه علم الإنسان ينطلق الإيقاع الثالث والأخير في السورة , فيرسم أعلى أفق للبشرية - وهو أفق الرسالة الكاملة الشاملة . فإذا هو قريب محدود بالقياس إلى الأفق الأعلى الذي تتقاصر دونه الأبصار , وتنحسر دونه الأنظار:
(قل:إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد . فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا , ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). .
إنه أفق الإلوهية الأسمى . . فأين هنا آفاق النبوة , وهي - على كل حال - آفاق بشريته ?
(قل:إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي . . .). . بشر يتلقى من ذلك الأفق الأسمى . بشر يستمد من ذلك المعين الذي لا ينضب . بشر لا يتجاوز الهدى الذي يتلقاه من مولاه . بشر يتعلم فيعلم فيعلم . . فمن كان يتطلع إلى القرب من ذلك الجوار الأسنى , فلينتفع بما يتعلم من الرسول الذي يتلقى , وليأخذ بالوسيلة التي لا وسيلة سواها:
(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). .
هذا هو جواز المرور إلى ذلك اللقاء الأثير .
وهكذا تختم السورة - التي بدأت بذكر الوحي والتوحيد - بتلك الإيقاعات المتدرجة في العمق والشمول , حتى تصل إلى نهايتها فيكون هذا الإيقاع الشامل العميق , الذي ترتكز عليه سائر الأنغام في لحن العقيدة الكبير . .
مريم