ألوان من الحرير . من سندس ناعم خفيف ومن إستبرق مخمل كثيف . تزيد عليها أساور من ذهب للزينة والمتاع: (نعم الثواب وحسنت مرتفقا)! ومن شاء فليختر . ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن شاء فليجالس فقراء المؤمنين , وجبابهم تفوح منها رائحة العرق أو فلينفر . فمن لم ترضه رائحة العرق من تلك الجباب , التي تضم القلوب الزكية بذكر الله , فليرتفق في سرادق النار , وليهنأ بدردي الزيت أو القيح يغاث به من النار . .
الدرس الثالث:32 - 44 قصة صاحب الجنتين
ثم تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية , وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة , والنفس المعتزة بالله . وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس:صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري , تذهله الثروة , وتبطره النعمة , فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة . ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى , فلن تخذله القوة ولا الجاه . وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه , الذاكر لربه , يرى النعمة دليلا على المنعم , موجبة لحمده وذكره , لا لجحوده وكفره . وتبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة:
(واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب , وحففناهما بنخل , وجعلنا بينهما زرعا . كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا , وفجرنا خلالهما نهرا . وكان له ثمر). .
فهما جنتان مثمرتان من الكروم , محفوفتان بسياج من النخيل , تتوسطهما الزروع , ويتفجر بينهما نهر . . إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال:
(كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا). . ويختار التعبير كلمة(تظلم)في معنى تنقص وتمنع , لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر , وازدهى وتكبر .
وها هو ذا صاحب الجنتين تمتليء نفسه بهما , ويزدهيه النظر إليهما , فيحس بالزهو , وينتفش كالديك , ويختال كالطاووس , ويتعالى على صاحبه الفقير: (فقال لصاحبه - وهو يحاوره - أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا). .
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين , وملء نفسه البطر , وملء جنبه الغرور ; وقد نسي الله , ونسي أن يشكره على ما أعطاه ; وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدا , أنكر قيام الساعة أصلا , وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار ! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظا في الآخرة !
(ودخل جنته وهو ظالم لنفسه . قال:ما أظن أن تبيد هذه أبدا , وما أظن الساعة قائمة . ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا)!
إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء , أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى ! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظا !
فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر , ولا جنة عنده ولا ثمر . . فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى . معتز بعقيدته وإيمانه . معتز بالله الذي تعنو له الجباه ; فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه بطره وكبره , يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين , ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم . وينذره عاقبة البطر والكبر . ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار: