مقدمة الوحدة انتهى الدرس السابق بالحديث عن الباقيات الصالحات , فهنا يصله بوصف اليوم الذي يكون للباقيات الصالحات وزن فيه وحساب , يعرضه في مشهد من مشاهد القيامة . ويتبعه في السياق بإشارة إلى ما كان من إبليس يوم أمر بالسجود لآدم ففسق عن أمر ربه للتعجيب من أبناء آدم الذين يتخذون الشياطين أولياء , وقد علموا أنهم لهم أعداء , وبذلك ينتهون إلى العذاب في يوم الحساب . ويعرج على الشركاء الذين لا يستجيبون لعبادهم في ذلك اليوم الموعود .
هذا وقد صرف الله في القرآن الأمثال للناس ليقوا أنفسهم شر ذلك اليوم , ولكنهم لم يؤمنوا , وطلبوا أن يحل بهم العذاب أو أن يأتيهم الهلاك الذي نزل بالأمم قبلهم . وجادلوا بالباطل ليغلبوا به الحق , واستهزأوا بآيات الله ورسله . ولولا رحمة الله لعجل لهم العذاب . .
هذا الشوط من مشاهد القيامة , ومن مصارع المكذبين يرتبط بمحور السورة الأصيل في تصحيح العقيدة , وبيان ما ينتظر المكذبين , لعلهم يهتدون .
الدرس الأول:47 - 49 تصوير مشاهد من يوم القيامة والحساب
(ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة , وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا . وعرضوا على ربك صفا .
لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة , بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا . ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ; ويقولون:يا ويلتنا ! مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ? ووجدوا ما عملوا حاضرا , ولا يظلم ربك أحدا). إنه مشهد تشترك فيه الطبيعة ويرتسم الهول فيه على صفحاتها وعلى صفحات القلوب . مشهد تتحرك فيه الجبال الراسخة فتسير , فكيف بالقلوب , وتتبدى فيه الأرض عارية , وتبرز فيه صفحتها مكشوفة لا نجاد فيها ولا وهاد , ولا جبال فيها ولا وديان . وكذلك تتكشف خبايا القلوب فلا تخفى منها خافية .
ومن هذه الأرض المستوية المكشوفة التي لا تخبى ء شيئا , ولا تخفي أحدا: (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا).
ومن الحشر الجامع الذي لا يخلف أحدا إلى العرض الشامل: (وعرضوا على ربك صفا). . هذه الخلائق التي لا يحصى لها عدد , منذ أن قامت البشرية على ظهر هذه الأرض إلى نهاية الحياة الدنيا . . هذه الخلائق كلها محشورة مجموعة مصفوفة , لم يتخلف منها أحد , فالأرض مكشوفة مستوية لا تخفي أحدا .
وهنا يتحول السياق من الوصف إلى الخطاب . فكأنما المشهد حاضر اللحظة , شاخص نراه ونسمع ما يدور فيه . ونرى الخزي على وجوه القوم الذين كذبوا بذلك الموقف وأنكروه: لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة . بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا .
هذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يحيي المشهد ويجسمه . كأنما هو حاضر اللحظة , لا مستقبل في ضمير الغيب في يوم الحساب .
وإننا لنكاد نلمح الخزي على الوجوه , والذل في الملامح . وصوت الجلالة الرهيب يجبه هؤلاء المجرمين بالتأنيب: (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة)وكنتم تزعمون أن ذلك لن يكون: 1 زعمتم ألن نجعل لكم موعدا !
وبعد إحياء المشهد واستحضاره بهذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يعود إلى وصف ما هناك:
(ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه)فهذا هو سجل أعمالهم يوضع أمامهم , وهم يتملونه ويراجعونه , فإذا هو شامل دقيق . وهم خائفون من العاقبة ضيقو الصدور بهذا الكتاب الذي لا يترك شاردة ولا واردة , ولا تند عنه كبيرة ولا صغيرة: 18: لون:يا ويلتنا . ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة , إلا أحصاها ? وهي قولة المحسور المغيظ الخائف المتوقع لأسوأ العواقب , وقد ضبط مكشوفا لا يملك تفلتا ولا هربا , ولا مغالطة ولا مداورة: (ووجدوا ما عملوا حاضرا)ولاقوا جزاء عادلا: (ولا يظلم ربك أحدا). .
الدرس الثاني:5 - 53 كفر إبليس وخسارة أتباعه وخزيهم يوم القيامة
هؤلاء المجرمون الذين وقفوا ذلك الموقف كانوا يعرفون أن الشيطان عدولهم , ولكنهم تولوه فقادهم إلى ذلك الموقف العصيب . فما أعجب أن يتولوا إبليس وذريته وهم لهم عدو منذ ما كان بين آدم وإبليس:
(وإذ قلنا للملائكة:اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه . أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني , وهم لكم عدو , بئس للظالمين بدلا).
وهذه الإشارة إلى تلك القصة القديمة تجيء هنا للتعجيب من أبناء آدم الذين يتخذون ذرية إبليس أولياء من دون الله بعد ذلك العداء القديم .