واتخاذ إبليس وذريته أولياء يتمثل في تلبية دواعي المعصية والتولي عن دواعي الطاعة . ولماذا يتولون أعداءهم هؤلاء , وليس لديهم علم ولا لهم قوة . فالله لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فيطلعهم على غيبه . والله لا يتخذهم عضدا فتكون لهم قوة:
ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم , وما كنت متخذ المضلين عضدا . .
إنما هو خلق من خلق الله , لا يعلمون غيبه , ولا يستعين بهم سبحانه . .
(وما كنت متخذ المضلين عضدا)فهل يتخذ الله سبحانه غير المضلين عضدا ?
وتعالى الله الغني عن العالمين , ذو القوة المتين . . إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها . فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع الله , إنما يسلكون هذا المسلك توهما منهم أن للشيطان علما خفيا , وقوة خارقة . والشيطان مضل , والله يكره الضلال والمضلين . فلو أنه - على سبيل الفرض والجدل - كان متخذا له مساعدين , لما اختارهم من المضلين !
وهذا هو الظل الذي يراد أن يلقيه التعبير . .
ثم يعرض مشهد من مشاهد القيامة يكشف عن مصير الشركاء ومصير المجرمين:
(ويوم يقول:نادوا شركائي الذين زعمتم . فدعوهم فلم يستجيبوا لهم . وجعلنا بينهم موبقا . ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها , ولم يجدوا عنها مصرفا). .
إنهم في الموقف الذي لا تجدي فيه دعوى بلا برهان . والديان يطالبهم أن يأتوا بشركائهم الذين زعموا , ويأمرهم أن يدعوهم ليحضروا . . وإنهم لفي ذهول ينسون أنها الآخرة , فينادون . لكن الشركاء لا يجيبون !
وهم بعض خلق الله الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا في الموقف المرهوب . وقد جعل الله بين المعبودين وعبادهم مهلكة لا يجتازها هؤلاء ولا هؤلاء . . إنها النار (وجعلنا بينهم موبقا).
ويتطلع المجرمون , فتمتليء نفوسهم بالخوف والهلع , وهم يتوقعون في كل لحظة أن يقعوا فيها . وما أشق توقع العذاب وهو حاضر , وقد أيقنوا أن لا نجاة منها ولا محيص:
(ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها , ولم يجدوا عنها مصرفا)
الدرس الثالث:54 - 59 إرسال الرسل وسبب كفر الكفار وإمهال الله لهم ثم أخذهم
ولقد كان لهم عنها مصرف , لو أنهم صرفوا قلوبهم من قبل للقرآن , ولم يجادلوا في الحق الذي جاء به , وقد ضرب الله لهم فيه الأمثال ونوعها لتشمل جميع الأحوال:
(ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل , وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). .
ويعبر السياق عن الإنسان في هذا المقام بأنه(شيء)وأنه أكثر شيء جدلا . ذلك كي يطامن الإنسان من كبريائه , ويقلل من غروره , ويشعر أنه خلق من مخلوقات الله الكثيرة . وأنه أكثر هذه الخلائق جدلا . بعد ما صرف الله في هذا القرآن من كل مثل .
ثم يعرض الشبهة التي تعلق بها من لم يؤمنوا - وهم كثرة الناس - على مدار الزمان والرسالات:
(وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين , أو يأتيهم العذاب قبلا). .
فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء . ولكنهم كانوا يطلبون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم