من هلاك - استبعادا لوقوعه واستهزاء - أو أن يأتيهم العذاب مواجهة يرون أنه سيقع بهم . وعندئذ فقط يوقنون فيؤمنون ! وليس هذا أو ذاك من شأن الرسل . فأخذ المكذبين بالهلاك - كما جرت سنة الله في الأولين بعد مجيء الخوارق وتكذيبهم بها - أو إرسال العذاب . . كله من أمر الله . أما الرسل فهم مبشرون ومنذرون:
(وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين . ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق . واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا).
والحق واضح . ولكن الذين كفروا يجادلون بالباطل ليغلبوا به الحق ويبطلوه . وهم حين يطلبون الخوارق , ويستعجلون بالعذاب لا يبغون اقتناعا , إنما هم يستهزئون بالآيات والنذر ويسخرون .
ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه . إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذن أبدا . .
فهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله ونذره لا يرجى منهم أن يفقهوا هذا القرآن , ولا أن ينتفعوا به . لذلك جعل الله على قلوبهم أغطية تحول دون فقهه , وجعل في آذانهم كالصمم فلا يستمعون إليه . وقدر عليهم الضلال - بسبب استهزائهم وإعراضهم - فلن يهتدوا إذن أبدا . فللهدى قلوب متفتحة مستعدة للتلقي .
(وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب). .
ولكن الله يمهلهم رحمة بهم , ويؤخر عنهم الهلاك الذي يستعجلون به , ولكنه لن يهملهم:
(بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا). .
موعد في الدنيا يحل بهم فيه شيء من العذاب . وموعد في الآخرة يوفون فيه الحساب .
ولقد ظلموا فكانوا مستحقين للعذاب أو الهلاك كالقرى قبلهم . لولا أن الله قدر إمهالهم إلى موعدهم , لحكمة اقتضتها إرادته فيهم , فلم يأخذهم أخذ القرى ; بل جعل لهم موعدا آخر لا يخلفونه:
(وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا . وجعلنا لمهلكهم موعدا). .
فلا يغرنهم إمهال الله لهم , فإن موعدهم بعد ذلك آت . وسنة الله لا تتخلف . والله لا يخلف الميعاد . .
الواحدة الرابعة:60 - 82 الموضوع:قصة موسى مع الخضر