مقدمة الوحدة هذه الحلقة من سيرة موسى - عليه السلام - لا تذكر في القرآن كله إلا في هذا الموضع من هذه السورة . والقرآن لا يحدد المكان الذي وقعت فيه إلا بأنه (مجمع البحرين)ولا يحدد التاريخ الذي وقعت فيه من حياة موسى , هل كان ذلك وهو في مصر قبل خروجه ببني إسرائيل أم بعد خروجه بهم منها ? ومتى بعد الخروج:قبل أن يذهب بهم إلى الأرض المقدسة , أم بعد ما ذهب بهم إليها فوقفوا حيالها لا يدخلون لأن فيها قوما جبارين ? أم بعد ذهابهم في التيه , مفرقين مبددين ?
كذلك لا يذكر القرآن شيئا عن العبد الصالح الذي لقيه موسى . من هو ? ما اسمه ? هل هو نبي أو رسول ? أم عالم ? أم ولي ?
وهناك روايات كثيرة عن ابن عباس وعن غيره في هذه القصة . ونحن نقف عند نصوص القصة في القرآن . لنعيش "في ظلال القرآن" ونعتقد أن لعرضها في القرآن على النحو الذي عرضت به , دون زيادة , ودون تحديد للمكان والزمان والأسماء , حكمة خاصة . فنقف نحن عند النص القرآني نتملاه . .
(وإذ قال موسى لفتاه:لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا). .
والأرجح - والله أعلم - أنه مجمع البحرين:بحر الروم وبحر القلزم . أي البحر الأبيض والبحر الأحمر . . ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح . أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر . فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر . وعلى أي فقد تركها القرآن مجملة فنكتفي بهذه الإشارة .
ونفهم من سياق القصة فيما بعد - أنه كان لموسى - عليه السلام - هدف من رحلته هذه التي اعتزمها , وأنه كان يقصد من ورائها أمرا , فهو يعلن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة , ومهما يكن الزمن الذي ينفقه في الوصول . وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه القرآن من قوله: (أو أمضي حقبا)والحقب قيل عام , وقيل ثمانون عاما . على أية حال فهو تعبير عن التصميم , لا عن المدة على وجه التحديد .
(فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا . فلما جاوزا قال لفتاه:آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال:أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا . .). .
والأرجح كذلك أن هذا الحوت كان مشويا , وأن إحياءه واتخاذه سبيله في البحر سربا كان آية من آيات الله لموسى , يعرف بهما موعده , بدليل عجب فتاه من اتخاذه سبيله في البحر , ولو كان يعني أنه سقط منه فغاص في البحر ما كان في هذا عجب . ويرجح هذا الوجه أن الرحلة كلها مفاجآت غيبية . فهذه إحداها .
وأدرك موسى أنه جاوز الموعد الذي حدده ربه له للقاء عبده الصالح . وأنه هنالك عند الصخرة ثم عاد على أثره هو وفتاه فوجداه:
(قال:ذلك ما كنا نبغ . فارتدا على آثارهما قصصا . فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). .
ويبدو أن ذلك اللقاء كان سر موسى وحده مع ربه , فلم يطلع عليه فتاه حتى لقياه . ومن ثم ينفرد موسى والعبد الصالح في المشاهد التالية للقصة:
(قال له موسى:هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ?).