وفي صبر ولطف يذكره العبد الصالح بما كان قد قاله منذ البداية:
(قال:ألم أقل:إنك لن تستطيع معي صبرا ?).
ويعتذر موسى بنسيانه , ويطلب إلى الرجل أن يقبل عذره ولا يرهقه بالمراجعة والتذكير:
(قال:لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا). .
ويقبل الرجل اعتذاره , فنجدنا أمام المشهد الثاني:
(فانطلقا . حتى إذا لقيا غلاما فقتله . .).
وإذا كانت الأولى خرق السفينة واحتمال غرق من فيها ; فهذه قتل نفس . قتل عمد لا مجرد احتمال . وهي فظيعة كبيرة لم يستطع موسى أن يصبر عليها على الرغم من تذكره لوعده:
(قال:أقتلت نفسا زكية بغير نفس ? لقد جئت شيئا نكرا).
فليس ناسيا في هذه المرة ولا غافلا ; ولكنه قاصد . قاصد أن ينكر هذا النكر الذي لا يصبر على وقوعه ولا يتأول له أسبابا ; والغلام في نظره بريء . لم يرتكب ما يوجب القتل , بل لم يبلغ الحلم حتى يكون مؤاخذا على ما يصدر منه .
ومرة أخرى يرده العبد الصالح إلى شرطه الذي شرط ووعده الذي وعد , ويذكره بما قال له أول مرة . والتجربة تصدقه بعد التجربة:
(قال:ألم أقل لك:إنك لن تستطيع معي صبرا). .
وفي هذه المرة يعين أنه قال له: (ألم أقل لك ?)لك أنت على التعيين والتحديد . فلم تقتنع وطلبت الصحبة وقبلت الشرط .
ويعود موسى إلى نفسه , ويجد أنه خالف عن وعده مرتين , ونسي ما تعهد به بعد التذكير والتفكير . فيندفع ويقطع على نفسه الطريق , ويجعلها آخر فرصة أمامه:
(قال:إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني . قد بلغت من لدني عذرا).
وينطلق السياق فإذا نحن أمام المشهد الثالث:
(فانطلقا . حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه). .
إنهما جائعان , وهما في قرية أهلها بخلاء , لا يطعمون جائعا , ولا يستضيفون ضيفا . ثم يجد أن جدارا مائلا يهم أن ينقض . والتعبير يخلع على الجدار حياة وإرادة كالأحياء فيقول: (يريد أن ينقض)فإذا الرجل الغريب يشغل نفسه بإقامة الجدار دون مقابل !!!
وهنا يشعر موسى بالتناقض في الموقف . ما الذي يدفع هذا الرجل أن يجهد نفسه ويقيم جدارا يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان , وقد أبوا أن يستضيفوهما ? أفلا أقل من أن يطلب عليه أجرا يأكلان منه ?
(قال:لو شئت لاتخذت عليه أجرا)!
وكانت هي الفاصلة . فلم يعد لموسى من عذر , ولم يعد للصحبة بينه وبين الرجل مجال: