وفي موضع آخر في سورة الأنبياء: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون . واقترب الوعد الحق . . .). وهذا النص كذلك لا يحدد زمانا معينا لخروج يأجوج ومأجوج فاقتراب الوعد الحق بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول [ ص ] فجاء في القرآن:(اقتربت الساعة وانشق القمر)والزمان في الحساب الإلهي غيره في حساب البشر . فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون , يراها البشر طويلة مديدة , وهي عند الله ومضة قصيرة .
وإذن فمن الجائز أن يكون السد قد فتح في الفترة ما بين: (اقتربت الساعة)ويومنا هذا . وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي انسياح يأجوج ومأجوج .
وهناك حديث صحيح رواه الإمام أحمد عن سفيان الثوري عن عروة , عن زينب بنت أبي سلمة , عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان , عن أمها حبيبة , عن زينب بنت جحش - زوج النبي [ ص ] - قالت:استيقظ الرسول [ ص ] من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول:" ويل للعرب من شر قد اقترب . فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " وحلق [ بإصبعيه السبابة والإبهام ] . قلت:يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ? قال " نعم إذا كثر الخبيث " .
وقد كانت هذه الرؤيا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن . وقد وقعت غارات التتار بعدها , ودمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو في خلافة المستعصم آخر ملوك العباسيين . وقد يكون هذا تعبير رؤيا الرسول [ ص ] وعلم ذلك عند الله . وكل ما نقوله ترجيح لا يقين .
الدرس الخامس:99 - 102 مشهد القيامة وتهديد الكفار بالعذاب
ثم نعود إلى سياق السورة . فنجده يعقب على ذكر ذي القرنين للوعد الحق بمشهد من مشاهد القيامة .
وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض , ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ; وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا , الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري , وكان لا يستطيعون سمعا .
وهو مشهد يرسم حركة الجموع البشرية من كل لون وجنس وأرض . ومن كل جيل وزمان وعصر , مبعوثين منشرين . يختلطون ويضطربون في غير نظام وفي غير انتباه , تتدافع جموعهم تدافع الموج وتختلط اختلاط الموج . . ثم إذا نفخة التجمع والنظام: ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا فإذا هم في الصف في نظام !
ثم إذا الكافرون الذين أعرضوا عن ذكر الله حتى لكأن على عيونهم غطاء , ولكأن في أسماعهم صمما . . إذا بهؤلاء تعرض عليهم جهنم فلا يعرضون عنها كما يعرضون عن ذكر الله . فما يستطيعون اليوم إعراضا . لقد نزع الغطاء عن عيونهم نزعا فرأوا عاقبة الإعراض والعمى جزاء وفاقا !
والتعبير ينسق بين الإعراض والعرض متقابلين في المشهد , متقابلين في الحركة على طريقة التناسق الفني في القرآن .
ويعقب على هذا التقابل بالتهكم اللاذع والسخرية المريرة:
أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي دوني أولياء . إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا . .