وبها ينتهي مشهد الاحتضار . وإذا الحواجز قائمة بين قائل هذه الكلمة والدنيا جميعا . فلقد قضي الأمر , وانقطعت الصلات , وأغلقت الأبواب , وأسدلت الأستار:(ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). .
فلا هم من أهل الدنيا , ولا هم من أهل الآخرة . إنما هم في ذلك البرزخ بين بين , إلى يوم يبعثون .
ثم يستطرد السياق إلى ذلك اليوم , يصوره ويعرضه للأنظار .
(فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون). .
إنما تقطعت الروابط , وسقطت القيم التي كانوا يتعارفون عليها في الدنيا (فلا أنساب بينهم يومئذ). وشملهم الهول بالصمت , فهم ساكنون لا يتحدثون (ولا يتساءلون).
ويعرض ميزان الحساب وعملية الوزن في سرعة واختصار .
فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون . تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون . .
وعملية الوزن بالميزان تجري على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير , وتجسيم المعاني في صور حسية , ومشاهد ذات حركة .
ومشهد لفح النار للوجوه حتى تكلح , وتشوه هيئتها , ويكدر لونها . . مشهد مؤذ أليم .
وهؤلاء الذين خفت موازينهم خسروا كل شيء . فقد خسروا أنفسهم . وحين يخسر الإنسان نفسه فماذا يملك إذن ? وما الذي يتبقى له . وقد خسر نفسه التي بين جنبيه , وخسر ذاته التي تميزه , فكأنما لم يكن له وجود .
وهنا يعدل عن أسلوب الحكاية إلى أسلوب الخطاب والمواجهة , فإذا العذاب الحسي - على فظاعته - أهون من التأنيب والخزي الذي يصاحبه . وكأنما نحن نراه اللحظة ونشهده في حوار ممض كطويل:
(ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون !). .
وكأنما يخيل إليهم - وقد سمعوا هذا السؤال - أنهم مأذونون في الكلام , مسموح لهم بالرجاء . وأن الأعتراف بالذنب قد يجدي في قبول الرجاء:
(قالوا:ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين . ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون). .
وهو اعتراف تتجلى فيه المرارة والشقوة . . ولكن كأنما هم قد تجاوزوا حدهم وأساءوا أدبهم , فلم يكن مأذونا لهم في غير الإجابة على قدر السؤال . بل لعله كان سؤالا للتبكيت لا يطلب عليه منهم جواب . فهم يزجرون زجرا عنيفا قاسيا:
قال:اخسأوا فيها ولا تكلمون . .
اخرسوا واسكتوا سكوت الأذلاء المهنين , فإنكم لتستحقون ما أنتم فيه من العذاب الأليم والشقاء المهين:
(إنه كان فريق من عبادي يقولون:ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين . فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري , وكنتم منهم تضحكون). .