وبين كل مرحلة ومرحلة فوارق هائلة في طبيعتها , وتحولات كاملة في ماهيتها ? غير أن البشر يمرون على هذه الخوارق مغمضي العيون , مغلقي القلوب , لأن طول الألفة أنساهم أمرها الخارق العجيب . . وإن مجرد التفكر في أن الإنسان - هذا الكائن المعقد - كله ملخص وكامن بجميع خصائصه وسماته وشياته في تلك النقطة الصغيرة التي لا تراها العين المجردة ; وإن تلك الخصائص والسمات والشيات كلها تنمو وتتفتح وتتحرك في مراحل التطور الجنينية حتى تبرز واضحة عندما ينشأ خلقا آخر . فإذا هي ناطقة بارزة في الطفل مرة أخرى . وإذا كل طفل يحمل وراثاته الخاصة فوق الوراثات البشرية العامة . هذه الوراثات وتلك التي كانت كامنة في تلك النقطة الصغيرة . . إن مجرد التفكر في هذه الحقيقة التي تتكرر كل لحظة لكاف وحده أن يفتح مغاليق القلوب على ذلك التدبير العجيب الغريب . . . ثم يتابع السياق خطاه لاستكمال مراحل الرحلة , وأطوار النشأة . فالحياة الإنسانية التي نشأت من الأرض لا تنتهي في الأرض , لأن عنصرا غير أرضي قد امتزج بها , وتدخل في خط سيرها ; ولأن تلك النفخة العلوية قد جعلت لها غاية غير غاية الجسد الحيواني , ونهاية غير نهاية اللحم والدم القريبة ; وجعلت كمالها الحقيقي لا يتم في هذه الأرض , ولا في هذه الحياة الدنيا ; إنما يتم هنالك في مرحلة جديدة وفي الحياة الأخرى:
(ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم يوم القيامة تبعثون). .
فهو الموت نهاية الحياة الأرضية , وبرزخ ما بين الدنيا والآخرة . وهو إذن طور من أطوار النشأة الإنسانية وليس نهاية الأطوار .
ثم هو البعث المؤذن بالطور الأخير من أطوار تلك النشأة . وبعده تبدأ الحياة الكاملة , المبرأة من النقائص الأرضية , ومن ضرورات اللحم والدم , ومن الخوف والقلق , ومن التحول والتطور لأنها نهاية الكمال المقدر لهذا الإنسان . ذلك لمن يسلك طريق الكمال . الطريق الذي رسمه المقطع الأول في السورة . طريق المؤمنين فأما من ارتكس في مرحلة الحياة الدنيا إلى درك الحيوان , فهو صائر في الحياة الأخرى إلى غاية الارتكاس . حيث تهدر آدميته , ويستحيل حصبا من حصب جهنم , وقودا للنار , التي وقودها الناس والحجارة . والناس من هذا الصنف هو والحجارة سواء !
الدرس الثالث:17 - 23 أدلة الإيمان والوحدانية في الكون وإنعام الله على الإنسان
ومن دلائل الإيمان في الأنفس ينتقل إلى دلائل الإيمان في الآفاق . مما يشهده الناس ويعرفونه , ثم يمرون عليه غافلين:
(ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق , وما كنا عن الخلق غافلين . وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ; وإنا على ذهاب به لقادرون . فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب , لكم فيها فواكه كثيرة , ومنها تأكلون . وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين . وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها , ولكم فيها منافع كثيرة , ومنها تأكلون . وعليها وعلى الفلك تحملون). .
إن السياق يمضي في استعراض هذه الدلائل , وهو يربط بينها جميعا . يربط بينها بوصفها من دلائل القدرة ; ويربط بينها كذلك بوصفها من دلائل التدبير ; فهي متناسقة في تكوينها , متناسقة في وظائفها , متناسقة في اتجاهها . كلها محكومة بناموس واحد ; وكلها تتعاون في وظائفها ; وكلها محسوب فيها لهذا الإنسان الذي كرمه الله حساب .