وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية . فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون ! وهكذا تجمد الحياة , وتقف حركتها , وتتسمر خطاها , عند جيل معين من (آبائنا الأولين)!
ويا ليتهم يدركون أنهم جامدون متحجرون , إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون . وهم يدعونهم إلى التدبر والتفكر , والتخلية بين قلوبهم ودلائل الإيمان الناطقة في الوجود . فإذا هم يتلقون هذه الدعوة بالتبجح والاتهام:
(إن هو إلا رجل به جنة , فتربصوا به حتى حين). .
أي إلى أن يأخذه الموت , ويريحكم منه , ومن دعوته , ومن إلحاحه عليكم بالقول الجديد !
عندئذ لم يجد نوح - عليه السلام - منفذا إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة ; ولم يجد له موئلا من السخرية والأذى , إلا أن يتوجه إلى ربه وحده , يشكو إليه ما لقيه من تكذيب ويطلب منه النصر بسبب هذا التكذيب:
(قال:رب انصرني بما كذبون). .
وعندما يتجمد الأحياء على هذا النحو , وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام , في طريق الكمال المرسوم , فتجدهم عقبة في الطريق . . عندئذ إما أن تتحطم هذه المتحجرات ; وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضي . . والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح . ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية وفي أول الطريق ; فشاءت إرادة الله أن تطيح بهم من الطريق:
(فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا , فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين , وأهلك - إلا من سبق عليه القول منهم - ولا تخاطبني في الذين ظلموا . إنهم مغرقون). .
وهكذا مضت سنة الله في تطهير الطريق من العقبات المتحجرة لتمضي الحياة في طريقها المرسوم . ولما كانت البشرية قد أسنت على عهد نوح , وجمدت كالشجرة الناشئة تعوقها الآفة عن النمو فتيبس وتعجز وهي رقيقة العود . . كان العلاج هو الطوفان , الذي يجتب كل شيء , ويجرف كل شيء . ويغسل التربة , لتعاد بذرة الحياة السليمة من جديد , فتنشأ على نظافة , فتمد وتكبر حتى حين:
(فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا). . والفلك وسيلة للنجاة من الطوفان , ولحفظ بذور الحياة السليمة كيما يعاد بذرها من جديد . وقد شاء الله أن يصنع نوح الفلك بيده , لأنه لا بد للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل , وبذل آخر ما في طوقه , ليستحق المدد من ربه . فالمدد لا يأتي للقاعدين المستريحين المسترخين , الذين ينتظرون ولا يزيدون شيئا على الانتظار ! ونوح قدر الله له أن يكون أبا البشر الثاني ; فدفع به إلى الأخذ بالأسباب ; مع رعاية الله له , وتعليمه صناعة الفلك , ليتم أمر الله , وتتحقق مشيئته عن هذا الطريق .
وجعل الله له علامة للبدء بعملية التطهير الشاملة لوجه الأرض المؤوف: (فإذا جاء أمرنا وفار التنور) , وانبجس منه الماء , فتلك هي العلامة ليسارع نوح , فيحمل في السفينة بذور الحياة: (فاسلك فيها من كل زوجين اثنين). . من أنواع الحيوان و الطيور والنبات المعروفة لنوح في ذلك الزمان , الميسرة كذلك لبني