الإنسان (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم)وهم الذين كفروا وكذبوا , فاستحقوا كلمة الله السابقة , وسنته النافذة , وهي الهلاك للمكذبين بآيات الله . وصدر الأمر الأخير لنوح ألا يجادل في أمر أحد , ولا يحاول إنقاذ أحد - ولو كان أقرب الأقربين إليه - ممن سبق عليهم القول .
(ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون).
فسنة الله لا تحابي , ولا تنحرف عن طريقها الواحد المستقيم , من أجل خاطر ولي ولا قريب !
ولا يفصل هنا ما حدث للقوم بعد هذا الأمر . فقد قضي الأمر , وتقرر: (إنهم مغرقون)ولكنه يمضي في تعليم نوح - عليه السلام - كيف يشكر نعمة ربه , وكيف يحمد فضله , وكيف يستهديه طريقه:
(فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك , فقل:الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين . وقل:رب أنزلني منزلا مباركا , وأنت خير المنزلين). .
فهكذا يحمد الله , وهكذا يتوجه إليه , وهكذا يوصف - سبحانه - بصفاته , ويعترف له بآياته . وهكذا يتأدب في حقه العباد , وفي طليعتهم النبيون , ليكونوا أسوة للآخرين .
ثم يعقب على القصة كلها , وما تتضمنه خطواتها من دلائل القدرة والحكمة:
(إن في ذلك لآيات , وإن كنا لمبتلين). .
والابتلاء ألوان . ابتلاء للصبر . وابتلاء للشكر . وابتلاء للأجر . وابتلاء للتوجيه . وابتلاء للتأديب . وابتلاء للتمحيص . وابتلاء للتقويم . . وفي قصة نوح ألوان من الابتلاء له ولقومه ولأبنائه القادمين . .
الدرس الثاني:31 - 41 لقطات من قصة هود مع عاد
ويمضي السياق يعرض مشهدا آخر من مشاهد الرسالة الواحدة والتكذيب المكرور:
ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . أفلا تتقون ? وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة , وأترفناهم في الحياة الدنيا:ما هذا إلا بشر مثلكم , يأكل مما تأكلون منه , ويشرب مما تشربون . ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذن لخاسرون . أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ? هيهات هيهات لما توعدون ! إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا , وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا , وما نحن له بمؤمنين . قال:رب انصرني بما كذبون . قال:عما قليل ليصبحن نادمين . فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء . فبعدا للقوم الظالمين . .
إن استعراض قصص الرسل في هذه السورة ليس للتقصي والتفصيل ; إنما هو لتقرير الكلمة الواحدة التي جاء بها الجميع , والاستقبال الواحد الذي لقوه من الجميع . ومن ثم بدأ بذكر نوح - عليه السلام - ليحدد نقطة البدء ; وانتهى بموسى وعيسى ليحدد النقطة الأخيرة قبل الرسالة الأخيرة . ولم يذكر الأسماء في وسط السلسلة الطويلة , كي يدل على تشابه حلقاتها بين البدء والنهاية . إنما ذكر الكلمة الواحدة في كل حلقة والاستقبال الواحد , لأن هذا هو المقصود .
(ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). . لم يحدد من هم . وهم على الأرجح عاد قوم هود . .
(فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . أفلا تتقون ?). . ذات الكلمة الواحدة