التي قالها من قبله نوح . يحكيها بالألفاظ ذاتها , مع اختلاف اللغات التي كانت تتخاطب بها القرون ! فماذا كان الجواب ?
إنه الجواب ذاته على وجه التقريب:
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة , وأترفناهم في الحياة الدنيا:ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه , ويشرب مما تشربون . ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذن لخاسرون . .
فالاعتراض المكرور هو الاعتراض على بشرية الرسول . وهو الاعتراض الناشى ء من انقطاع الصلة بين قلوب هؤلاء الكبراء المترفين , وبين النفخة العلوية التي تصل الإنسان بخالقه الكريم .
والترف يفسد الفطرة , ويغلظ المشاعر , ويسد المنافذ , ويفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب . ومن هنا يحارب الإسلام الترف ; ويقيم نظمه الاجتماعية على أساس لا يسمح للمترفين بالوجود في الجماعة المسلمة , لأنهم كالعفن يفسد ما حوله , حتى لينخر فيه السوس , ويسبح فيه الدود !
ثم يزيد المترفون هنا إنكار البعث بعد الموت والبلى ; ويعجبون من هذا الرسول الذي ينبئهم بهذا الأمر الغريب .
أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ? هيهات هيهات لما توعدون:إن هي إلا حياتنا الدنيا , نموت و نحيا , وما نحن بمبعوثين . .
ومثل هؤلاء لايمكن أن يدركوا حكمة الحياة الكبرى ; ودقة التدبير في أطوارها للوصول بها إلى غايتها البعيدة . هذه الغاية التي لا تتحقق بكمالها في هذه الأرض . فالخير لا يلقى جزاءه الكامل في الحياة الدنيا . والشر كذلك . إنما يستكملان هذا الجزء هنالك , حيث يصل المؤمنون الصالحون إلى قمة الحياة المثلى , التي لا خوف فيها ولا نصب , ولا تحول فيها ولا زوال - إلا أن يشاء الله - ويصل المرتكسون المنتكسون إلى درك الحياة السفلية التي تهدر فيها آدميتهم , ويرتدون فيها أحجارا , أو كالأحجار !
مثل هؤلاء لا يدركون هذه المعاني ; ولا يستدلون من أطوار الحياة الأولى - التي سبقت في السورة - على أطوارها الأخيرة ; ولا ينتبهون إلى أن القوة المدبرة لتلك الأطوار لا تقف بالحياة عند مرحلة الموت والبلى كما يظنون . . لذلك هم يستعجبون ويعجبون من ذلك الذي يعدهم أنهم مخرجون ; ويستبعدون في جهالة أن ذلك يكون ; ويجزمون في تبجح بأن ليس هنالك إلا حياة واحدة وموت واحد . يموت جيل ويحيا بعده جيل . فأما الذين ماتوا , وصاروا ترابا وعظاما , فهيهات هيهات الحياة لهم , كما يقول ذلك الرجل الغريب !
وهيهات هيهات البعث الذي يعدهم به , وقد صاروا عظاما ورفاتا !
ثم إنهم لا يقفون عند هذه الجهالة , والغفلة عن تدبر حكمة الحياة التي تكشف عنها أطوارها الأولى . . لا يقفون عند هذه الجهالة , إنما هم يتهمون رسولهم بالافتراء على الله اطوارها . ولا يعرفون الله إلا في هذه اللحظة , ولهذا الغرض من اتهام الرسول:
(إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا , وما نحن له بمؤمنين). .
عندئذ لم يجد الرسول إلا أن يستنصر ربه كما استنصره من قبله نوح . وبالعبارة ذاتها التي توجه بها إلى ربه نوح:
(قال:رب انصرني بما كذبون). .