فرض كفاية . وفيها الكفاية لاستغراق الجهد البشري والعمر البشري . والطاقة البشرية محدودة . وهي إما أن تنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها ; وإما أن تنفق في الهذر واللغو واللهو . والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى انفاقها في البناء والتعمير والإصلاح . ولا ينفي هذا أن يروح المؤمن عن نفسه في الحين بعد الحين . ولكن هذا شيء آخر غير الهذر واللغو والفراغ . . .
(والذين هم للزكاة فاعلون). . بعد إقبالهم على الله , وانصرافهم عن اللغو في الحياة . . والزكاة طهارة للقلب والمال:طهارة للقلب من الشح , واستعلاء على حب الذات , وانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر , وثقة بما عند الله من العوض والجزاء . وطهارة للمال تجعل ما بقي منه بعدها طيبا حلالا , لا يتعلق به حق - إلا في حالات الضرورة - ولا تحوم حوله شبهة . وهي صيانة للجماعة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب والترف في جانب , فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعا , وهي ضمان اجتماعي للعاجزين , وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال .
(والذين هم لفروجهم حافظون). وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة . ووقاية النفس والأسرة والمجتمع . بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال , وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال ; وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب , ومن فساد البيوت فيها والأنساب .
والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد . لأنه لا أمن فيها للبيت , ولا حرمة فيها للأسرة . والبيت هو الوحدة الأولى في بناء الجماعة , إذ هو المحضن الذي تنشأ فيه الطفولة وتدرج ; ولا بد له من الأمن والاستقرار والطهارة , ليصلح محضنا ومدرجا , وليعيش فيه الوالدان مطمئنا كلاهما للآخر , وهما يرعيان ذلك المحضن . ومن فيه من فراخ !
والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية , فالمقياس الذي لا يخطى ء للارتقاء البشري هو تحكم الإرادة الإنسانية وغلبتها . وتنظيم الدوافع الفطرية في صورة مثمرة نظيفة , لا يخجل الأطفال معها من الطريقة التي جاءوا بها إلى هذا العالم , لأنها طريقة نظيفة معروفة , يعرف فيها كل طفل أباه . لا كالحيوان الهابط الذي تلقى الأنثى فيه الذكر للقاح , وبدافع اللقاح , ثم لا يعرف الفصيل كيف جاء ولا من أين جاء !
والقرآن هنا يحدد المواضع النظيفة التي يحل للرجل أن يودعها بذور الحياة:(إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين). . ومسألة الازواج لا تثير شبهة ولا تستدعي جدلا . فهي النظام المشروع المعروف . أما مسألة ملك اليمين فقد تستدعي شيئا من البيان .
ولقد فصلت القول في مسألة الرق في الجزء الثاني من الظلال , وبينت هناك أن الإسلام قد جاء والرق نظام عالمي . واسترقاق أسرى الحرب نظام دولي . فما كان يمكن والإسلام مشتبك في حروب مع أعدائه الواقفين بالقوة المادية في طريقه أن يلغي هذا النظام من جانب واحد , فيصبح أسارى المسلمين رقيقا عند أعدائه , بينما هو يحرر أسارى الأعداء . . فجفف الإسلام كل منابع الرق - عدا أسرى الحرب - إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى .