وعندئذ وقعت الاستجابة , بعد أن استوفى القوم أجلهم ; ولم يعد فيهم خير يرجى بعد العناد والغفلة والتكذيب:
(قال:عما قليل ليصبحن نادمين). .
ولكن حيث لا ينفع الندم , ولا يجدي المتاب:
(فأخذتهم الصيحة بالحق , فجعلناهم غثاء). .
والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش وأعشاب وأشياء مبعثرة , لا خير فيها , ولا قيمة لها , ولا رابط بينها . . وهؤلاء لما تخلوا عن الخصائص التي كرمهم الله بها , وغفلوا عن حكمة وجودهم في الحياة الدنيا , وقطعوا ما بينهم وبين الملأ الأعلى . . لم يبق فيهم ما يستحق التكريم ; فإذا هم غثاء كغثاء السيل , ملقى بلا احتفال ولا اهتمام وذلك من فرائد التعبير القرآني الدقيق .
ويزيدهم على هذه المهانة , الطرد من رحمة الله , والبعد عن اهتمام الناس:
(فبعدا للقوم الظالمين). .
بعدا في الحياة وفي الذكرى . في عالم الواقع وفي عالم الضمير . .
الدرس الثالث:42 - 44 إشارة للرسل بعد هود
ويمضي السياق بعد ذلك في استعراض القرون:
ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون . ثم أرسلنا رسلنا تترى . كلما جاء أمة رسولها كذبوه . فاتبعنا بعضهم بعضا , وجعلناهم أحاديث . فبعدا لقوم لا يؤمنون . .
هكذا في إجمال , يلخص تاريخ الدعوة , ويقرر سنة الله الجارية , في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة , وموسى وعيسى في أواخرها . . كل قرن يستوفي أجله ويمضي:(ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون). وكلهم يكذبون: (كلما جاء أمة رسولها كذبوه). وكلما كذب المكذبون أخذتهم سنة الله: (فأتبعنا بعضهم بعضا). وبقيت العبرة ماثلة في مصارعهم لمن يعتبرون: (وجعلناهم أحاديث)تتناقلها القرون .
ويختم هذا الاستعراض الخاطف المجمل باللعنة والطرد والاستبعاد من العيون والقلوب: (فبعدا لقوم لا يؤمنون).
الدرس الرابع:45 - 48 تكذيب فرعون وملئه بموسى وهارون
ثم يجمل قصة موسى في الرسالة والتكذيب لتتمشى مع نسق العرض وهدفه المقصود:
ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وبسلطان مبين , إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين . فقالوا:أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ? فكذبوهما فكانوا من المهلكين .
ويبرز في هذا الاستعراض الاعتراض ذاته على بشرية الرسل: (فقالوا:أنؤمن لبشرين مثلنا). ويزيد عليه تلك الملابسة الخاصة بوضع بني إسرائيل في مصر: (وقومهما لنا عابدون)مسخرون خاضعون . وهي أدعى - في اعتبار فرعون وملئه - إلى الاستهانة بموسى وهارون !
فأما آيات الله التي معهما , وسلطانه الذي بأيديهما , فكل هذا لا إيقاع له في مثل تلك القلوب المطموسة ,