أَلَمْ نُهْلöكö الْأَوَّلöينَ (16) ثُمَّ نُتْبöعُهُمُ الْآخöرöينَ (17) كَذَلöكَ نَفْعَلُ بöالْمُجْرöمöينَ (18) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّöن مَّاء مَّهöينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فöي قَرَارٍ مَّكöينٍ (21) إöلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنöعْمَ الْقَادöرُونَ (23) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلö الْأَرْضَ كöفَاتاً (25) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (26) وَجَعَلْنَا فöيهَا رَوَاسöيَ شَامöخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً (27) وَيْلñ يوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (28) انطَلöقُوا إöلَى مَا كُنتُم بöهö تُكَذّöبُونَ (29) انطَلöقُوا إöلَى ظöلٍّ ذöي ثَلَاثö شُعَبٍ (30) لَا ظَلöيلٍ وَلَا يُغْنöي مöنَ اللَّهَبö (31) إöنَّهَا تَرْمöي بöشَرَرٍ كَالْقَصْرö (32) كَأَنَّهُ جöمَالَتñ صُفْرñ (33) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنطöقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذöرُونَ (36) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلö جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلöينَ (38) فَإöن كَانَ لَكُمْ كَيْدñ فَكöيدُونö (39) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (40) إöنَّ الْمُتَّقöينَ فöي ظöلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكöهَ مöمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنöيئاً بöمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إöنَّا كَذَلöكَ نَجْزöي الْمُحْسöنينَ (44) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلöيلاً إöنَّكُم مُّجْرöمُونَ (46) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (47) وَإöذَا قöيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلñ يَوْمَئöذٍ لّöلْمُكَذّöبöينَ (49) فَبöأَيّö حَدöيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمöنُونَ (50)
الدرس الثالث:16 - 19 هلاك الكفار السابقين واللاحقين ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل , إلى جولة في مصارع الغابرين:الأولين والآخرين . .
(ألم نهلك الأولين ? ثم نتبعهم الآخرين ? كذلك نفعل بالمجرمين . ويل يومئذ للمكذبين !). هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود . وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود . وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء . وأمامها ينطلق الوعيد ناطقا بسنة الله في الوجود: (كذلك نفعل بالمجرمين)! فهي السنة الماضية التي لا تحيد . . وبينما المجرمون يتوقعون مصرعا كمصارع الأولين والآخرين , يجيء الدعاء بالهلاك , ويجيء الوعيد بالثبور:(ويل يومئذ للمكذبين). .
الدرس الرابع:20 - 24 لقطات من نشأة الإنسان
ومن الجولة في المصارع والأشلاء , إلى جولة في الإنشاء والإحياء , مع التقدير والتدبير , للصغير والكبير:
(ألم نخلقكم من ماء مهين ? فجعلناه في قرار مكين ? إلى قدر معلوم ? فقدرنا فنعم القادرون . ويل يومئذ للمكذبين). .
وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة , يجملها هنا في لمسات معدودة . ماء مهين . يودع في قرار الرحم المكين . إلى قدر معلوم وأجل مرسوم . وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل:(فقدرنا فنعم القادرون)وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود:(ويل يومئذ للمكذبين). .
الدرس الخامس:25 - 28 إشارات عن الأرض وتسخيرها للإنسان
ثم جولة في هذه الأرض , وتقدير الله فيها لحياة البشر , وإيداعها الخصائص الميسرة لهذه الحياة:
ألم نجعل الأرض كفاتا ? أحياء وأمواتا ? وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ? ويل يومئذ للمكذبين . .
ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتا . (وجعلنا فيها رواسي شامخات)ثابتات سامقات , تتجمع على قممها السحب , وتنحدر عنها مساقط الماء العذب . أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير , وحكمة وتدبير ? أفبعد هذا يكذب المكذبون ?:(ويل يومئذ للمكذبين !). .
الدرس السادس:29 - 34 بعض أهوال النار المعذب فيها الكفار
وعندئذ - بعد عرض تلك المشاهد , وامتلاء الحس بالتأثرات التي تسكبها في المشاعر - ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء . فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين , ليأخذوا طريقهم إلى العذاب الذي كانوا به يكذبون , في تأنيب مرير وإيلام عسير:
انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعاب . لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين ! . .
اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل . ولكن إلى أين ? إنه انطلاق خير منه الارتهان . .(انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون). . فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود .(انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب). . إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب . ولكنه ظل خير منه الوهج:(لا ظليل ولا يغني من اللهب). . إنه ظل خانق حار لافح . وتسميته بالظل ليست إلا امتدادا للتهكم , وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم !
انطلقوا . وإنكم لتعرفون إلى أين ! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها . فلا حاجة إلى ذكر اسمها . .(إنها
ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر). . فالشرر يتتابع في حجم البيت من الحجر . [ وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر وليس من الضروري أن يكون في ضخامة ما نعهد الآن من قصور ] فإذا تتابع بدا كأنه جمال صفر ترتع هنا وهناك ! هذا هو الشرر فكيف بالنار التي ينطلق منها الشرر ?! وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول , يجيء التعقيب المعهود:(ويل يومئذ للمكذبين !).
الدرس السابع:35 - 37 عدم كلام الكفار واعتذارهم يوم القيامة
ثم يأخذ في استكمال المشهد بعد عرض الهول المادي في صورة جهنم , بعرض الهول النفسي الذي يفرض الصمت والكظم . .
(هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون). .
فالهول هنا يكمن في الصمت الرهيب , والكبت الرعيب , والخشوع المهيب , الذي لا يتخلله كلام ولا اعتذار . فقد انقضى وقت الجدل ومضى وقت الاعتذار:(ويل يومئذ للمكذبين)! . . وفي مشاهد أخرى يذكر حسرتهم وندامتهم وحلفهم ومعاذيرهم . . واليوم طويل يكون فيه هذا ويكون فيه ذاك - على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ولكنه هنا يثبت هذه اللقطة الصامتة الرهيبة , لمناسبة في الموقف وظل في السياق .
الدرس الثامن:38 - 40 عجز وضعف الكفار يوم القيامة
(هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين !). .
هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار . وقد جمعناكم والأولين أجمعين . فإن كان لكم تدبير فدبروه , وإن كان لكم قدرة على شيء فافعلوه ! ولا تدبير ولا قدرة . إنما هو الصمت الكظيم , على التأنيب الأليم . .(ويل يومئذ للمكذبين !). .
الدرس التاسع:41 - 45 لقطات من نعيم المؤمنين في الجنة
فإذا انتهى مشهد التأنيب للمجرمين , اتجه الخطاب بالتكريم للمتقين:
(إن المتقين في ظلال وعيون , وفواكه مما يشتهون . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين . ويل يومئذ للمكذبين !). .
إن المتقين في ظلال . . ظلال حقيقية في هذه المرة ! لا ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب ! وفي عيون من ماء لا في دخان خانق يبعث الظمأ الحرور:(وفواكه مما يشتهون). . وهم يتلقون فوق هذا النعيم الحسي التكريم العلوي على مرأى ومسمع من الجموع:(كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين)ويا لطف هذا التكريم من العلي العظيم(ويل يومئذ للمكذبين !). . يقابل هذا النعيم والتكريم !
الدرس العاشر:46 - 47 تهديد الكفار في الدنيا
وهنا تعرض في خطفة سريعة رقعة الحياة الدنيا التي طويت في السياق . فإذا نحن في الأرض مرة أخرى . وإذا التبكيت والترذيل يوجهان للمجرمين !
(كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين !). .
وهكذا تختلط الدنيا بالآخرة في فقرتين متواليتين , وفي مشهدين معروضين كأنهما حاضران في أوان , وإن كانت تفرق بينهما أزمان وأزمان . فبينما كان الخطاب موجها للمتقين في الآخرة , إذا هو موجه للمجرمين في
الدنيا . وكأنما ليقال لهم:اشهدوا الفارق بين الموقفين . . وكلوا وتمتعوا قليلا في هذه الدار , لتحرموا وتعذبوا طويلا في تلك الدار . .(ويل يومئذ للمكذبين !). الدرس الحادي عشر:48 - 50 عناد الكفار فلا ينفع معهم حديث
ثم يتحدث معجبا من أمر القوم وهم يدعون إلى الهدى فلا يستجيبون:
(وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون . ويل يومئذ للمكذبين !). .
مع أنهم يبصرون هذا التبصير , وينذرون هذا النذير . .
(فبأي حديث بعده يؤمنون ?). .
والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهز الرواسي , وبهذه الهزات التي تزلزل الجبال , لا يؤمن بحديث بعده أبدا . إنما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس , والويل المدخر لهذا الشقي المتعوس !
إن السورة بذاتها , ببنائها التعبيري , وإيقاعها الموسيقي , ومشاهدها العنيفة , ولذعها الحاد . . إنها بذاتها حملة لا يثبت لها قلب , ولا يتماسك لها كيان .
فسبحان الذي نزل القرآن , وأودعه هذا السلطان !
انتهى الجزء التاسع والعشرون ويليه الجزء الثلاثون
مبدوءا بسورة النبأ
بسم الله الرحمن الرحيم
من سورة النبأ الى سورة الناس
الجزء الثلاثون