|
في ظلال القرآن
الكريم
الملك من الاية 1 الى الاية 1 تَبَارَكَ الَّذöي بöيَدöهö الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ (1)
تقديم لسورة الملك هذا الجزء كله من السور المكية . كما كان الجزء الذي سبقه كله من السور المدنية . ولكل منهما طابع مميز , وطعم خاص . . وبعض مطالع السور في هذا الجزء من بواكير ما نزل من القرآن كمطلع سورة "المدثر" ومطلع سورة "المزمل" . كما أن فيه سورا يحتمل أن تكون قد نزلت بعد البعثة بحوالي ثلاث سنوات كسورة "القلم" . وبحوالي عشر سنوات كسورة "الجن" التي يروى أنها نزلت في عودة رسول الله [ ص ] من الطائف , حيث أوذي من ثقيف . ثم صرف الله إليه نفرا من الجن فاستمعوا إليه وهو يرتل القرآن , مما حكته سورة الجن في هذا الجزء . وكانت هذه الرحلة بعد وفاة خديجة وأبي طالب قبيل الهجرة بعام أو عامين . وإن كانت هناك رواية أخرى هي الأرجح بأن السورة نزلت في أوائل البعثة . والقرآن المكي يعالج - في الغالب - إنشاء العقيدة . في الله وفي الوحي , وفي اليوم الآخر . وإنشاء التصور المنبثق من هذه العقيدة لهذا الوجود وعلاقته بخالقه . والتعريف بالخالق تعريفا يجعل الشعور به حيا في القلب , مؤثرا موجها موحيا بالمشاعر اللائقة بعبد يتجه إلى رب , وبالأدب الذي يلزمه العبد مع الرب , وبالقيم والموازين التي يزن بها المسلم الأشياء والأحداث والأشخاص . وقد رأينا نماذج من هذا في السور المكية السابقة , وسنرى نماذج منه في هذا الجزء . والقرآن المدني يعالج - في الغالب - تطبيق تلك العقيدة وذاك التصور وهذه الموازين في الحياة الواقعية ; وحمل النفوس على الإضطلاع بأمانة العقيدة والشريعة في معترك الحياة , والنهوض بتكاليفها في عالم الضمير وعالم الظاهر سواء . وقد رأينا نماذج من هذا في السور المدنية السابقة ومنها سور الجزء الماضي . وهذه السورة الأولى - سورة تبارك - تعالج إنشاء تصور جديد للوجود وعلاقاته بخالق الوجود . تصور واسع شامل يتجاوز عالم الأرض الضيق وحيز الدنيا المحدود , إلى عوالم في السماوات , وإلى حياة في الآخرة . وإلى خلائق أخرى غير الإنسان في عالم الأرض كالجن والطير , وفي العالم الآخر كجهنم وخزنتها . وإلى عوالم في الغيب غير عالم الظاهر تعلق بها قلوب الناس ومشاعرهم , فلا تستغرق في الحياة الحاضرة الظاهرة , في هذه الأرض . كما أنها تثير في حسهم التأمل فيما بين أيديهم وفي واقع حياتهم وذواتهم مما يمرون به غافلين . وهي تهز في النفوس جميع الصور والإنطباعات والرواسب الجامدة الهامدة المتخلفة من تصور الجاهلية وركودها ; وتفتح المنافذ هنا وهناك , وتنفض الغبار وتطلق الحواس والعقل والبصيرة ترتاد آفاق الكون , وأغوار النفس , وطباق الجو , ومسارب الماء , وخفايا الغيوب , فترى هناك يد الله المبدعة , وتحس حركة الوجود المنبعثة من قدرة الله . وتؤوب من الرحلة وقد شعرت أن الأمر أكبر , وأن المجال أوسع . وتحولت من الأرض - على سعتها - إلى السماء . ومن الظواهر إلى الحقائق . ومن الجمود إلى الحركة . مع حركة القدر , وحركة الحياة , وحركة الأحياء . الموت والحياة أمران مألوفان مكروران . ولكن السورة تبعث حركة التأمل فيما وراء الموت والحياة من قدر الله وبلائه , ومن حكمة الله وتدبيره:(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا , وهو العزيز الغفور). والسماء خلق ثابت أمام الأعين الجاهلة لا تتجاوزه إلى اليد التي أبدعته , ولا تلتفت لما فيه من كمال . ولكن السورة تبعث حركة التأمل والإستغراق في هذا الجمال والكمال وما وراءها من حركة وأهداف: (الذي خلق سبع سماوات طباقا . ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ? ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير . . ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين . .). والحياة الدنيا تبدو في الجاهلية غاية الوجود , ونهاية المطاف . ولكن السورة تكشف الستار عن عالم آخر هو حاضرللشياطين وللكافرين . وهو خلق آخر حافل بالحركة والتوفز والإنتظار: وأعتدنا لهم عذاب السعير . وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير . إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور . تكاد تميز من الغيظ . كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها:ألم يأتكم نذير ? قالوا:بلى ! قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا:ما نزل الله من شيء ; إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا:لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير . فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ! . والنفوس في الجاهلية لا تكاد تتجاوز هذا الظاهر الذي تعيش فيه , ولا تلقي بالا إلى الغيب وما يحتويه . وهي مستغرقة في الحياة الدنيا محبوسة في قفص الأرض الثابتة المستقرة . فالسورة تشد قلوبهم وأنظارهم إلى الغيب وإلى السماء وإلى القدرة التي لم ترها عين , ولكنها قادرة تفعل ما تشاء حيث تشاء وحين تشاء ; وتهز في حسهم هذه الأرض الثابتة التي يطمئنون إليها ويستغرقون فيها (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير . وأسروا قولكم أو أجهروا به , إنه عليم بذات الصدور . ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ? هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور . أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ? أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ? فستعلمون كيف نذير). . والطير . إنه خلق يرونه كثيرا ولا يتدبرون معجزته إلا قليلا . ولكن السورة تمسك بأبصارهم لتنظر وبقلوبهم لتتدبر , وترى قدرة الله الذي صور وقدر:(أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ? ما يمسكهن إلا الرحمن , إنه بكل شيء بصير). وهم آمنون في دارهم , مطمئنون إلى مكانهم , طمأنينة الغافل عن قدرة الله وقدره . ولكن السورة تهزهم من هذا السبات النفسي , بعد أن هزت الأرض من تحتهم وأثارت الجو من حولهم , تهزهم على قهر الله وجبروته الذي لا يحسبون حسابه:(أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ? إن الكافرون إلا في غرور). والرزق الذي تناله أيديهم , إنه في حسهم قريب الأسباب , وهي بينهم تنافس وغلاب . ولكن السورة تمد أبصارهم بعيدا هنالك في السماء , ووراء الأسباب المعلومة لهم كما يظنون:(أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ? بل لجوا في عتو ونفور). . وهم سادرون في غيهم يحسبون أنهم مهتدون وهم ضالون . فالسورة ترسم لهم حقيقة حالهم وحال المهتدين حقا , في صورة متحركة موحية:(أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ? أم من يمشي سويا على صراط مستقيم ?). وهم لا ينتفعون بما رزقهم الله في ذوات أنفسهم من استعدادات ومدارك ; ولا يتجاوزون ما تراه حواسهم إلى التدبر فيما وراء هذا الواقع القريب . فالسورة تذكرهم بنعمة الله فيما وهبهم , وتوجههم إلى استخدام هذه الهبة في تنور المستقبل المغيب وراء الحاضر الظاهر , وتدبر الغاية من هذه البداية: 6 :هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة , قليلا ما تشكرون . قل:هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون . . وهم يكذبون بالبعث والحشر , ويسألون عن موعده . فالسورة تصوره لهم واقعا مفاجئا قريبا يسوؤهم أن يكون:(ويقولون:متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ? قل إنما العلم عند الله , وإنما أنا نذير مبين . فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا , وقيل:هذا الذي كنتم به تدعون !). . وهم يتربصون بالنبي [ ص ] ومن معه أن يهلكوا فيستريحوا من هذا الصوت الذي يقض عليهم مضجعهم بالتذكير والتحذير والإيقاظ من راحة الجمود ! فالسورة تذكرهم بأن هلاك الحفنة المؤمنة أو بقاءها لا يؤثر فيما ينتظرهم هم من عذاب الله على الكفر والتكذيب , فأولى لهم أن يتدبروا أمرهم وحالهم قبل ذلك اليوم العصيب:(قل:أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ? قل:هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين). وتنذرهم السورة في ختامها بتوقع ذهاب الماء الذي به يعيشون , والذي يجريه هو الله الذي به يكفرون !(قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ?). . إنها حركة . حركة في الحواس , وفي الحس , وفي التفكير , وفي الشعور . ومفتاح السورة كلها , ومحورها الذي تشد إليه تلك الحركة فيها , هو مطلعها الجامع الموحي: الدرس الأول:1 الله المالك القادر (تبارك الذي بيده الملك , وهو على كل شيء قدير). . وعن حقيقة الملك وحقيقة القدرة تتفرع سائر الصور التي عرضتها السورة , وسائر الحركات المغيبة والظاهرة التي نبهت القلوب إليها . . فمن الملك ومن القدرة كان خلق الموت والحياة , وكان الابتلاء بهما . وكان خلق السماوات وتزيينها بالمصابيح وجعلها رجوما للشياطين . وكان إعداد جهنم بوصفها وهيئتها وخزنتها . وكان العلم بالسر والجهر . وكان جعل الأرض ذلولا للبشر . وكان الخسف والحاصب والنكير على المكذبين الأولين . وكان إمساك الطير في السماء . وكان القهر والإستعلاء . وكان الرزق كما يشاء . وكان الإنشاء وهبة السمع والأبصار والأفئدة . وكان الذرء في الأرض والحشر . وكان الإختصاص بعلم الآخرة . وكان عذاب الكافرين . وكان الماء الذي به الحياة وكان الذهاب به عندما يريد . . فكل حقائق السورة وموضوعاتها , وكل صورها وإيحاءاتها مستمدة من إيحاء ذلك المطلع ومدلوله الشامل الكبير:(تبارك الذي بيده الملك , وهو على كل شيء قدير)!! وحقائق السورة وإيحاءاتها تتوالى في السياق , وتتدفق بلا توقف , مفسرة مدلول المطلع المجمل الشامل , مما يصعب معه تقسيمها إلى مقاطع ! ويستحسن معه استعراضها في سياقها بالتفصيل: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير). . هذه التسبيحة في مطلع السورة توحي بزيادة بركة الله ومضاعفتها , وتمجيد هذه البركة الرابية الفائضة . وذكر الملك بجوارها يوحي بفيض هذه البركة على هذا الملك , وتمجيدها في الكون بعد تمجيدها في جناب الذات الإلهية . وهي ترنيمة تتجاوب بها أرجاء الوجود , ويعمر بها قلب كل موجود . وهي تنطلق من النطق الإلهي في كتابه الكريم , من الكتاب المكنون , إلى الكون المعلوم . (تبارك الذي بيده الملك). . فهو المالك له , المهيمن عليه , القابض على ناصيته , المتصرف فيه . . وهي حقيقة . حين تستقر في الضمير تحدد له الوجهة والمصير ; وتخليه من التوجه أو الإعتماد أو الطلب من غير المالك المهيمن المتصرف في هذا الملك بلا شريك ; كما تخليه من العبودية والعبادة لغير المالك الواحد , والسيد الفريد ! (وهو على كل شيء قدير). . فلا يعجزه شيء , ولا يفوته شيء , ولا يحول دون إرادته شيء , ولا يحد مشيئته شيء . يخلق ما يشاء , ويفعل ما يريد , وهو قادر على ما يريده غالب على أمره ; لا تتعلق بإرادته حدود ولا قيود . . وهي حقيقة حين تستقر في الضمير تطلق تصوره لمشيئة الله وفعله من كل قيد يرد عليه من مألوف الحس أو مألوف العقل أو مألوف الخيال ! فقدرة الله وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال . . والقيود التي ترد على تصور البشر بحكم تكوينهم المحدود تجعلهم أسرى لما يألفون في تقدير ما يتوقعون من تغيير وتبديل فيما وراء اللحظة الحاضرة والواقع المحدود . فهذه الحقيقة تطلق حسهم من هذا الإسار . فيتوقعون من قدرة الله كل شيء بلا حدود . ويكلون لقدرة الله كل شيء بلا قيود . وينطلقون من أسر اللحظة الحاضرة والواقع المحدود . الدرس الثاني:2 حكمة خلق الموت والحياة (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا , وهو العزيز الغفور). . ومن آثار تمكنه المطلق من الملك وتصريفه له , وآثار قدرته على كل شيء وطلاقة إرادته . . أنه خلق الموت التالي
|