والحياة . والموت يشمل الموت السابق على الحياة والموت اللاحق لها . والحياة تشمل الحياة الأولى والحياة الآخرة . وكلها من خلق الله كما تقرر هذه الآية , التي تنشئ هذه الحقيقة في التصور الإنساني ; وتثير إلى جانبها اليقظة لما وراءها من قصد وابتلاء . فليست المسألة مصادفة بلا تدبير . وليست كذلك جزافا بلا غاية . إنما هو الإبتلاء لأظهار المكنون في علم الله من سلوك الأناسي على الأرض , واستحقاقهم للجزاء على العمل: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا). . واستقرار هذه الحقيقة في الضمير يدعه أبدا يقظا حذرا متلفتا واعيا للصغيرة والكبيرة في النية المستسرة والعمل الظاهر . ولا يدعه يغفل أو يلهو . كذلك لا يدعه يطمئن أو يستريح . ومن ثم يجيء التعقيب: (وهو العزيز الغفور)ليسكب الطمأنينة في القلب الذي يرعى الله ويخشاه . فالله عزيز غالب ولكنه غفور مسامح . فإذا استيقظ القلب , وشعر أنه هنا للإبتلاء والاختبار , وحذر وتوقى , فإن له أن يطمئن إلى غفران الله ورحمته وأن يقر عندها ويستريح ! إن الله في الحقيقة التي يصورها الإسلام لتستقر في القلوب , لا يطارد البشر , ولا يعنتهم , ولا يحب أن يعذبهم . إنما يريد لهم أن يتيقظوا لغاية وجودهم ; وأن يرتفعوا إلى مستوى حقيقتهم ; وأن يحققوا تكريم الله لهم بنفخة روحه في هذا الكيان وتفضيله على كثير من خلقه . فإذا تم لهم هذا فهناك الرحمة السابغة والعون الكبير والسماحة الواسعة والعفو عن كثير .
الدرس الثالث:3 - 5 خلق الله للسماوات وتزينها بالنجوم واتقانها وتحدي الناظرين
ثم يربط هذه الحقيقة بالكون كله في أكبر وأرفع مجاليه ; كما يربط به من الناحية الأخرى حقيقة الجزاء في الآخرة , بعد الابتلاء بالموت والحياة:
الذي خلق سبع سماوات طباقا , ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت , فارجع البصر هل ترى من فطور ? ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير . ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح , وجعلناها رجوما للشياطين , واعتدنا لهم عذاب السعير . وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم , وبئس المصير . إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور . تكاد تميز من الغيظ , كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها:ألم يأتكم نذير ? قالوا:بلى ! قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا:ما نزل الله من شيء , إن أنتم إلا في ضلال كبير . وقالوا:لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير . فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ! .
وكل ما في هذه الآيات آثار لمدلول الآية الأولى , ومظاهر للهيمنة المتصرفة في الملك , وللقدرة التي لا يقيدها قيد . ثم هي بعد ذلك تصديق للآية الثانية من خلق الموت والحياة للابتلاء , ثم الجزاء . .
والسماوات السبع الطباق التي تشير إليها الآية لا يمكن الجزم بمدلولها , استقاء من نظريات الفلك , فهذه النظريات قابلة للتعديل والتصحيح , كلما تقدمت وسائل الرصد والكشف . ولا يجوز تعليق مدلول الآية بمثل هذه الكشوف القابلة للتعديل والتصحيح . ويكفي أن نعرف أن هناك سبع سماوات . وأنها طباق بمعنى أنها طبقات على أبعاد متفاوتة .
والقرآن يوجه النظر إلى خلق الله , في السماوات بصفة خاصة وفي كل ما خلق بصفة عامة . يوجه النظر إلى خلق الله , وهو يتحدى بكماله كمالا يرد البصر عاجزا كليلا مبهورا مدهوشا .
(ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت). . فليس هناك خلل ولا نقص ولا اضطراب . . (فارجع البصر). . وانظر مرة أخرى للتأكد والتثبت (هل ترى من فطور ?). . وهل وقع نظرك على شق أو صدع أو خلل ?(ثم