ويوجه النبي [ ص ] إلى إبراز الصلة التي تربطهم بربهم الرحمن . صلة الإيمان (آمنا به). . وصلة التوكل (وعليه توكلنا). . عليه وحده . . والتعبير يشي بالقربى بينهم وبين الرحمن . والله - سبحانه - هو الذي يتفضل على رسوله وعلى المؤمنين فيأذن له بإعلان هذه القربى , ويوجهه إلى هذا الإعلان . وكأنما ليقول له:لا تخف مما يقوله الكفار . فأنت ومن معك موصولون بي منتسبون إلي . وأنت مأذون مني في أن تظهر هذه الكرامة , وهذا المقام ! فقل لهم . . . وهذا ود من الله وتكريم . . ثم ذلك التهديد الملفوف: (فستعلمون من هو في ضلال مبين). . وهو أسلوب كذلك من شأنه أن يخلخل الإصرار على الجحود ; ويدعوهم إلى مراجعة موقفهم مخافة أن يكونوا هم الضالين ! فيتعرضوا للعذاب الذي سبق ذكره في الآية: (فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ?)وفي الوقت ذاته لا يجبههم بأنهم ضالون فعلا , حتى لا تأخذهم العزة بالإثم . وهو أسلوب في الدعوة يناسب بعض حالات النفوس . .
الدرس الخامس عشر:30 حتى الماء يعجزون عن إحضاره
وأخيرا يجيء الإيقاع الأخير في السورة يلمح لهم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة , وذلك بحرمانهم من سبب الحياة الأول وهو الماء:
(قل:أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ?). .
والماء الغور:الغائر الذاهب في الأرض لا يقدرون عليه . والمعين:النابع الفائض المتدفق . وهي لمسة قريبة في حياتهم , إن كانوا ما يزالون يستبعدون ذلك اليوم ويشكون فيه . . والملك بيد الله وهو على كل شيء قدير . فكيف لو توجهت إرادته إلى حرمانهم مصدر الحياة القريب !
ثم يدعهم يتدبرون ما يكون لو أذن الله بوقوع هذا المحذور !
وهكذا تنتهي هذه السورة , وينتهي هذا الحشد من الإيقاعات واللمسات , وهذه الرحلات والجولات . في آفاق وأغوار وأبعاد مترامية الأطراف . وكل آية على وجه التقريب كانت إيقاعا خاصا . أو كانت رحلة في عالم مجهول مغيب , أو منظور لا تلتفت إليه الأنظار والقلوب .
إنها سورة ضخمة . سورة أكبر من حجمها وحيزها وعدد آياتها . وكأنما هي سهام تشير إلى بعيد , ويكاد كل سهم يستقل بكشف عالم جديد !
وهي تبني من قواعد التصور الإسلامي جوانب رئيسية هامة ; فهي تقر في الضمير حقيقة القدرة المطلقة , وحقيقة الهيمنة المطلقة . وحقيقة الإبتلاء بالموت والحياة تمهيدا للحشر والجزاء . وحقيقة الكمال والجمال في صنعة الله . وحقيقة العلم المطلق بالسر والنجوى . وحقيقة مصدر الرزق . وحقيقة حفظ الله للخلائق , وحضوره سبحانه - مع كل مخلوق . . . وجملة من هذه الحقائق التي يقوم عليها تصور المسلم لربه . وتصوره للوجود وارتباطه بخالق الوجود . هذا التصور الذي ينبثق منه منهج حياة المؤمن كله . مع ربه . ومع نفسه . ومع الناس . ومع الأحياء . ومع الكون كله من أحياء وأشياء . والذي يتكيف به شعوره وضميره وشخصيته وقيمه وموازينه , واستقباله للحياة . . .