وهذا الفضاء الوسيع الذي لا يمل البصر امتداده , ولا يبلغ البصر آماده . إنه الجمال . الجمال الذي يملك الإنسان أن يعيشه ويتملاه , ولكن لا يجد له وصفا فيما يملك من الألفاظ والعبارات !
والقرآن يوجه النفس إلى جمال السماء , وإلى جمال الكون كله , لأن إدراك جمال الوجود هو أقرب وأصدق وسيلة لإدراك جمال خالق الوجود . وهذا الإدراك هو الذي يرفع الإنسان إلى أعلى أفق يمكن أن يبلغه , لأنه حينئذ يصل إلى النقطة التي يتهيأ فيها للحياة الخالدة , في عالم طليق جميل , بريء من شوائب العالم الأرضي والحياة الأرضية . وإن أسعد لحظات القلب البشري لهي اللحظات التي يتقبل فيها جمال الإبداع الإلهي في الكون . ذلك أنها هي اللحظات التي تهيئه وتمهد له ليتصل بالجمال الإلهي ذاته ويتملاه .
الدرس الرابع:5 - 12 صورة لعذاب وخزي الكفار في جهنم
ويذكر النص القرآني هنا أن هذه المصابيح التي زين الله السماء الدنيا بها هي كذلك ذات وظيفة أخرى: (وجعلناها رجوما للشياطين). .
وقد جرينا في هذه الظلال على قاعدة ألا نتزيد بشيء في أمر الغيبيات التي يقص الله علينا طرفا من خبرها ; وأن نقف عند حدود النص القرآني لا نتعداه . وهو كاف بذاته لإثبات ما يعرض له من أمور .
فنحن نؤمن أن هناك خلقا اسمهم الشياطين , وردت بعض صفاتهم في القرآن , وسبقت الإشارة إليها في هذه الظلال , ولا نزيد عليها شيئا ونحن نؤمن أن الله جعل من هذه المصابيح التي تزين السماء الدنيا رجوما للشياطين , في صورة شهب كما جاء في سورة أخرى:(وحفظا من كل شيطان مارد). . .(إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب). . كيف ? من أي حجم ? في آية صورة ? كل ذلك لم يقل لنا الله عنه شيئا , وليس لنا مصدر آخر يجوز استفتاؤه في مثل هذا الشأن . فلنعلم هذا وحده ولنؤمن بوقوعه . وهذا هو المقصود . ولو علم الله أن هناك خيرا في الزيادة أو الإيضاح أو التفصيل لفصل سبحانه . فمالنا نحن نحاول ما لم يعلم الله أن فيه خيرا ?:في مثل هذا الأمر . أمر رجم الشياطين ?!
ثم يستطرد فيما أعده الله للشياطين غير الرجوم:
(وأعتدنا لهم عذاب السعير). .
فالرجوم في الدنيا وعذاب السعير في الآخرة لأولئك الشياطين . ولعل مناسبة ذكر هذا , الذي أعده الله للشياطين في الدنيا والآخرة هي ذكر السماء أولا , ثم يجيء بعد من ذكر الذين كفروا . والعلاقة بين الشياطين والذين كفروا علاقة ملحوظة . فلما ذكر مصابيح السماء ذكر اتخاذها رجوما للشياطين . ولما ذكر ما أعد للشياطين من عذاب السعير ذكر بعده ما أعده للذين كفروا من أتباع هؤلاء الشياطين:
(وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير). .
ثم يرسم مشهدا لجهنم هذه , وهي تستقبل الذين كفروا في غيظ وحنق شديد:
(إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور . تكاد تميز من الغيظ !). .
وجهنم هنا مخلوقة حية , تكظم غيظها , فترتفع أنفاسها في شهيق وتفور ; ويملأ جوانحها الغيظ فتكاد تتمزق من الغيظ الكظيم وهي تنطوي على بغض وكره يبلغ إلى حد الغيظ والحنق على الكافرين !
والتعبير في ظاهره يبدو مجازا تصويريا لحالة جهنم . ولكنه - فيما نحس - يقرر حقيقة . فكل خليقة من خلائق