الله حية ذات روح من نوعها . وكل خليقة تعرف ربها وتسبح بحمده ; وتدهش حين ترى الإنسان يكفر بخالقه , وتتغيظ لهذا الجحود المنكر الذي تنكره فطرتها وتنفر منه روحها . وهذه الحقيقة وردت في القرآن في مواضع شتى تشعر بأنها تقرر حقيقة مكنونة في كل شيء في هذا الوجود . فقد جاء بصريح العبارة في القرآن: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن , وإن من شيء إلا يسبح بحمده , ولكن لا تفقهون تسبيحهم). . وورد كذلك: (يا جبال أوبي معه والطير). . وهي تعبيرات صريحة مباشرة لا مجال فيها للتأويل .
كذلك ورد(ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض:ائتيا طوعا أو كرها قالتا:أتينا طائعين). . مما يحتمل أن يقال فيه إنه مجاز تصويري لحقيقة خضوع السماء والأرض لناموس الله . ولكن هذا التأويل لا ضرورة له . بل هو أبعد من المعنى المباشر الصريح .
ووردت صفة جهنم هذه . كما ورد في موضع آخر تعبير عن دهشة الكائنات وغيظها للشرك بربها:(لقد جئتم شيئا إدا . تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض , وتخر الجبال هدا , أن دعوا للرحمن ولدا , وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا). .
وكل هذه النصوص تشير إلى حقيقة , حقيقة إيمان الوجود كله بخالقه , وتسبيح كل شيء بحمده . ودهشة الخلائق وارتياعها لشذوذ الإنسان حين يكفر , ويشذ عن هذا الموكب ; وتحفز هذه الخلائق للانقضاض على الإنسان في غيظ وحنق ; كالذي يطعن في عزيز عليه كريم على نفسه , فيغتاظ ويحنق , ويكاد من الغيظ يتمزق . كما هو حال جهنم وهي: (تفور . تكاد تميز من الغيظ !).
كذلك نلمح هذه الظاهرة في خزنة جهنم:
(كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها . ألم يأتكم نذير ?). .
وواضح أن هذا السؤال في هذا الموضع هو للتأنيب والترذيل . فهي مشاركة لجهنم في الغيظ والحنق . كما هي مشاركة لها في التعذيب , وليس أمر من الترذيل والتأنيب للضائق المكروب !
والجواب في ذلة وانكسار واعتراف بالحمق والغفلة , بعد التبجح والإنكار واتهام الرسل بالضلال:
(قالوا:بلى ! قد جاءنا نذير فكذبنا , وقلنا:ما نزل الله من شيء . إن أنتم إلا في ضلال كبير . وقالوا:لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير !). .
فالذي يسمع أو يعقل , لا يورد نفسه هذا المورد الوبيء . ولا يجحد بمثل ما جحد به أولئك المناكيد . ولا يسارع باتهام الرسل بالضلال على هذا النحو المتبجح الوقح , الذي لا يستند في الإنكار إلى دليل . ثم ينكر ويدعي ذلك الادعاء العريض على رسل الله الصادقين يقول: (ما نزل الله من شيء:إن أنتم إلا في ضلال كبير)!
(فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير). .
والسحق البعد . وهو دعاء عليهم من الله بعد اعترافهم بذنبهم في الموقف الذي لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بوقوعه . والدعاء من الله قضاء . فهم مبعدون من رحمته . لا رجاء لهم في مغفرة , ولا إقالة لهم من عذاب . وهم أصحاب السعير الملازمون له . ويا لها من صحبة ! وياله من مصير !
وهذا العذاب , عذاب السعير , في جهنم التي تشهق بأنفاسها وهي تفور , عذاب شديد مروع حقا . والله لا يظلم أحدا . ونحسب - والله أعلم - أن النفس التي تكفر بربها - وقد أودع فطرتها حقيقة الإيمان ودليله - هي