الدرس الرابع:7 - 11 تصنيف الكفار حسب العداوة وامتحان المهاجرات ونتائجه تكلفهم هذه المشقة . ينسم عليها بنسمة الأمل الندية في أن ينضم هؤلاء الأعداء إلى راية الإسلام , وإلى صفوف المسلمين ; فيكون هذا هو الطريق لزوال الجفوة وقيام الود على أساسه الركين . . ثم يخفف عنهم مرة أخرى - وهو يضع القاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم , فيجعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان . فأما حين ينتفي العداء والعدوان فهو البر لمن يستحق البر , وهو القسط في المعاملة والعدل:(عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة , والله قدير والله غفور رحيم . لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم . إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم , وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم . ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). .
إن الإسلام دين سلام , وعقيدة حب , ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله , وأن يقيم فيه منهجه , وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين . وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله . فأما إذا سالموهم فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك ! وهو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة , انتظارا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع . ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس , فتتجه هذا الاتجاه المستقيم .
وفي الآية الأولى من هذا المقطع إشارة إلى هذا الرجاء الذي لا يغلب عليه اليأس ; في معرض التخفيف على نفوس بعض المهاجرين , وتغذية قلوبهم المتعبة بمشقة المقاطعة والحرب للأهل والعشيرة:
(عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة). .
وهذا الرجاء من الله , معناه القطع بتحققه . والمؤمنون الذين سمعوه لا بد قد أيقنوا به , ولقد وقع بعد هذا بوقت قصير أن فتحت مكة , وأن أسلمت قريش , وأن وقف الجميع تحت لواء واحد , وأن طويت الثارات والمواجد , وأن عاد الجميع إخوة مؤتلفي القلوب .
(والله قدير). . يفعل ما يريد بلا معقب .
(والله غفور رحيم). . يغفر ما سلف من الشرك والذنوب . .
وإلى أن يتحقق وعد الله الذي دل عليه لفظ الرجاء رخص الله لهم في موادة من لم يقاتلوهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم . ورفع عنهم الحرج في أن يبروهم , وأن يتحروا العدل في معاملاتهم معهم فلا يبخسونهم من حقوقهم شيئا . ولكنه نهى أشد النهي عن الولاء لمن قاتلوهم في الدين وأخرجوهم من ديارهم وساعدوا على إخراجهم . وحكم على الذين يتولونهم بأنهم هم الظالمون . . ومن معاني الظلم الشرك بالرجوع إلى قوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم). . وهو تهديد رهيب يجزع منه المؤمن , ويتقي أن يدخل في مدلوله المخيف !
وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية , بل نظرته الكلية لهذا الوجود , الصادر عن إله واحد , المتجه إلى إله واحد , المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي , من وراء كل اختلاف وتنويع .