ومجد موروث عريق ; فكيف بغيره من المكذبين ? وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين ? (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى). .
فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه . أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز , وبينه وبين العظة حجاب . حتى يصطدم بالعاقبة اصطداما . وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى . وكل ميسر لنهج , وكل ميسر لعاقبة . والعبرة لمن يخشى . .
الدرس الرابع:27 من آيات الله في السماء والأرض
ومن هذه الجولة في مصارع الطغاة المعتدين بقوتهم , يعود إلى المشركين المعتزين بقوتهم كذلك . فيردهم إلى شيء من مظاهر القوة الكبرى , في هذا الكون الذي لا تبلغ قوتهم بالقياس إليه شيئا:
(أأنتم أشد خلقا أم السماء ? بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعا لكم ولأنعامكم). .
وهو استفهام لا يحتمل إلا إجابة واحدة بالتسليم الذي لا يقبل الجدل: (أأنتم أشد خلقا أم السماء ?). . السماء ! بلا جدال ولا كلام ! فما الذي يغركم من قوتكم والسماء أشد خلقا منكم , والذي خلقها أشد منها ? هذا جانب من إيحاء السؤال . وهناك جانب آخر . فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم ? وهو خلق السماء وهي أشد من خلقكم ; وبعثكم هو إعادة لخلقكم , والذي بنى السماء وهي أشد , قادر على إعادتكم وهي أيسر !
هذه السماء الأشد خلقا بلا مراء . .(بناها). . والبناء يوحي بالقوة والتماسك , والسماء كذلك . متماسكة . لا تختل ولا تتناثر نجومها وكواكبها . ولا تخرج من أفلاكها ومداراتها , ولا تتهاوى ولا تنهار . فهي بناء ثابت وطيد متماسك الأجزاء .
(رفع سمكها فسواها). . وسمك كل شيء قامته وارتفاعه . والسماء مرفوعة في تناسق وتماسك . وهذه هي التسوية:(فسواها). . والنظرة المجردة والملاحظة العادية تشهد بهذا التناسق المطلق . والمعرفة بحقيقة القوانين التي تمسك بهذه الخلائق الهائلة وتنسق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها , توسع من معنى هذا التعبير , وتزيد في مساحة هذه الحقيقة الهائلة , التي لم يدرك الناس بعلومهم إلا أطرافا منها , وقفوا تجاهها مبهورين , تغمرهم الدهشة , وتأخذهم الروعة , ويعجزون عن تعليلها بغير افتراض قوة كبرى مدبرة مقدرة , ولو لم يكونوا من المؤمنين بدين من الأديان إطلاقا !
(وأغطش ليلها وأخرج ضحاها). . وفي التعبير شدة في الجرس والمعنى , يناسب الحديث عن الشدة والقوة . وأغطش ليلها أي أظلمه . وأخرج ضحاها . أي أضاءها . ولكن اختيار الألفاظ يتمشى في تناسق مع السياق . . وتوالي حالتي الظلام والضياء , في الليل والضحى الذي هو أول النهار , حقيقة يراها كل أحد ; ويتأثر بها كل قلب . وقد ينساها بطول الألفة والتكرار , فيعيد القرآن جدتها بتوجيه المشاعر إليها . وهي جديدة أبدا . تتجدد كل يوم , ويتجدد الشعور بها والانفعال بوقعها . فأما النواميس التي وراءها فهي كذلك من الدقة والعظمة بحيث تروع وتدهش من يعرفها . . فتظل هذه الحقيقة تروع القلوب وتدهشها كلما اتسع علمها وكبرت معرفتها !
(والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها). .
ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها , بحيث تصبح صالحة للسير عليها , وتكوين تربة تصلح للإنبات , وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة . والله أخرج من الأرض ماءها سواء ما يتفجر من الينابيع , أو ما ينزل من السماء فهو أصلا من مائها الذي تبخر