ثم نزل في صورة مطر . وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة وبالواسطة . . وكل أولئك قد كان بعد بناء السماء , وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى . والنظريات الفلكية الحديثة تقرب من مدلول هذا النص القرآني حين تفترض أنه قد مضى على الأرض مئات الملايين من السنين , وهي تدور دوراتها ويتعاقب الليل والنهار عليها قبل دحوها وقبل قابليتها للزرع . وقبل استقرار قشرتها على ما هي عليه من مرتفعات ومستويات .
والقرآن يعلن أن هذا كله كان:(متاعا لكم ولأنعامكم). . فيذكر الناس بعظيم تدبير الله لهم من ناحية . كما يشير إلى عظمة تقدير الله في ملكه . فإن بناء السماء على هذا النحو , ودحو الأرض على هذا النحو أيضا لم يكونا فلتة ولا مصادفة . إنما كان محسوبا فيهما حساب هذا الخلق الذي سيستخلف في الأرض . والذي يقتضي وجوده ونموه ورقيه موافقات كثيرة جدا في تصميم الكون . وفي تصميم المجموعة الشمسية بصفة خاصة . وفي تصميم الأرض بصفة أخص .
والقرآن - على طريقته في الإشارة المجملة الموحية المتضمنة لأصل الحقيقة - يذكر هنا من هذه الموافقات بناء السماوات , وإغطاش الليل , وإخراج الضحى , ودحو الأرض وإخراج مائها ومرعاها , وإرساء جبالها . متاعا للإنسان وأنعامه . وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع , الصالحة لأن يخاطب بها كل إنسان , في كل بيئة وفي كل زمان , فلا تحتاج إلى درجة من العلم والمعرفة , تزيد على نصيب الإنسان حيث كان . حتى يعم الخطاب بالقرآن لجميع بني الإنسان في جميع أطوار الإنسان , في جميع الأزمان .
ووراء هذا المستوى آماد وأفاق أخرى من هذه الحقيقة الكبرى . حقيقة التقدير والتدبير في تصميم هذا الكون الكبير . واستبعاد المصادفة والجزاف واستبعادا تنطق به طبيعة هذا الكون , وطبيعة المصادفة التي يستحيل معها تجمع كل تلك الموافقات العجيبة .
هذه الموافقات التي تبدأ من كون المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيم نادر بين مئات الملايين من المجموعات النجمية . وأن الأرض نمط فريد غير مكرر بين الكواكب بموقعها هذا في المنظومة الشمسية . الذي يجعلها صالحة للحياة الإنسانية . ولا يعرف البشر - حتى اليوم - كوكبا آخر تجتمع له هذه الموافقات الضرورية . وهي تعد بالآلاف !
"ذلك أن أسباب الحياة تتوافر في الكوكب على حجم ملائم , وبعد معتدل , وتركيب تتلاقى فيه عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها حركة الحياة .
"لابد من الحجم الملائم , لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة الجاذبية .
"ولابد من البعد المعتدل لأن الجرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام , والجرم البعيد من الشمس بارد لا تتخلخل فيه تلك الأجسام .
"ولابد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة , لأن هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء .
"وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها للحياة , في الصورة التي