نعرفها , ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن " . وتقرير حقيقة التدبير والتقدير في تصميم هذا الكون الكبير , وحساب مكان للإنسان فيه ملحوظ في خلقه وتطويره أمر يعد القلب والعقل لتلقي حقيقة الآخرة وما فيها من حساب وجزاء باطمئنان وتسليم . فما يمكن أن يكون هذا هو واقع النشأة الكونية والنشأة الإنسانية ثم لا تتم تمامها , ولا تلقى جزاءها . ولا يكون معقولا أن ينتهي أمرها بنهاية الحياة القصيرة في هذه العاجلة الفانية . وأن يمضي الشر والطغيان والباطل ناجيا بما كان منه في هذه الأرض . وأن يمضي الخير والعدل والحق بما أصابه كذلك في هذه الأرض . . فهذا الفرض مخالف في طبيعته لطبيعة التقدير والتدبير الواضحة في تصميم الكون الكبير . . ومن ثم تلتقي هذه الحقيقة التي لمسها السياق في هذا المقطع بحقيقة الآخرة التي هي الموضوع الرئيسي في السورة . وتصلح تمهيدا لها في القلوب والعقول , يجيء بعده ذكر الطامة الكبرى في موضعه وفي حينه !
الدرس الخامس:34 - 41 ما بعد الطامة الكبرى وصفات الفائزين وصفات الخاسرين
(فإذا جاءت الطامة الكبرى , يوم يتذكر الإنسان ما سعى , وبرزت الجحيم لمن يرى . فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا , فإن الجحيم هي المأوى , وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى , فإن الجنة هي المأوى). .
إن الحياة الدنيا متاع . متاع مقدر بدقة وإحكام . وفق تدبير يرتبط بالكون كله ونشأة الحياة والإنسان . ولكنه متاع . متاع ينتهي إلى أجله . . فإذا جاءت الطامة الكبرى غطت على كل شيء , وطمت على كل شيء . على المتاع الموقوت . وعلى الكون المتين المقدر المنظم . على السماء المبنية والأرض المدحوة والجبال المرساة والأحياء والحياة وعلى كل ما كان من مصارع ومواقع . فهي أكبر من هذا كله , وهي تطم وتعم على هذا كله !
عندئذ يتذكر الإنسان ما سعى . يتذكر سعيه ويستحضره , إن كانت أحداث الحياة , وشاغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه . يتذكره ويستحضره ولكن حيث لا يفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصور ما وراءه من العذاب والبلوى !
(وبرزت الجحيم لمن يرى). . فهي بارزة مكشوفة لكل ذي نظر . ويشدد التعبير في اللفظ(برزت)تشديدا للمعنى والجرس , ودفعا بالمشهد إلى كل عين !
عندئذ تختلف المصائر والعواقب ; وتتجلى غاية التدبير والتقدير في النشأة الأولى:
(فأما من طغى , وآثر الحياة الدنيا , فإن الجحيم هي المأوى). .
والطغيان هنا أشمل من معناه القريب . فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى . ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت , حيث يشمل كل متجاوز للهدى , وكل من آثر الحياة الدنيا , واختارها على الآخرة . فعمل لها وحدها , غير حاسب للآخرة حسابا . واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره . فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده , واختلت كل القيم في تقديره , واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته , وعد طاغيا وباغيا ومتجاوزا للمدى .
فأما هذا . .(فإن الجحيم هي المأوى). . الجحيم المكشوفة المبرزة القريبة الحاضرة . يوم الطامة الكبرى !
(وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . فإن الجنة هي المأوى). .
والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية , فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام