|
في ظلال القرآن
الكريم
النبأ من الاية 1 الى الاية 5 عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنö النَّبَإö الْعَظöيمö (2) الَّذöي هُمْ فöيهö مُخْتَلöفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)
سورة النبأ تعريف بالجزء الثلاثين هذا الجزء كله - ومنه هذه السورة - ذو طابع غالب . . سوره مكية فيما عدا سورتي "البينة " و "النصر" وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر . والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة - على وجه التقريب - في موضوعها واتجاهها , وإيقاعها , وصورها وظلالها , وأسلوبها العام . إنها طرقات متوالية على الحس . طرقات عنيفة قوية عالية . وصيحات . صيحات بنوم غارقين في النوم ! نومهم ثقيل ! أو بسكارى مخمورين ثقل حسهم الخمار ! أو بلاهين في سامر راقصين في ضجة وتصدية ومكاء ! تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد:اصحوا . استيقظوا . انظروا . تلفتوا . تفكروا . تدبروا . . إن هنالك إلها . وإن هنالك تدبيرا . وإن هنالك تقديرا . وإن هنالك ابتلاء . وإن هنالك تبعة . وإن هنالك حسابا . وإن هنالك جزاء . وإن هنالك عذابا شديدا . ونعيما كبيرا . . اصحوا . استيقظوا . انظروا تلفتوا تفكروا تدبروا وهكذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزا عنيفا . . وهم كأنما يفتحون أعينهم ينظرون في خمار مرة , ثم يعودون لما كانوا فيه ! فتعود اليد القوية تهزهم هزا عنيفا ; ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد ; وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب . . وأحيانا يتيقظ النوام ليقولوا:في إصرار وعناد:لا . . ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء . . ثم يعودون لما كانوا فيه . فيعود إلى هزهم من جديد . هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء . وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد , عظيمة القدر , ثقيلة الوزن . وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب . وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس . وعلى أحداث معينة في يوم الفصل . وأرى تكرارها مع تنوعها . هذا التكرار الموحي بأمر وقصد ! وهكذا يحس القارئ وهو يقرأ:(فلينظر الإنسان إلى طعامه . . .). .(فلينظر الإنسان مم خلق ? . . .). .(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ? وإلى السماء كيف رفعت ? وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ?). وهو يقرأ:(أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ? رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعا لكم ولأنعامكم). .(ألم نجعل الأرض مهادا ? والجبال أوتادا ? وخلقناكم أزواجا ? وجعلنا نومكم سباتا ? وجعلنا الليل لباسا ? وجعلنا النهار معاشا ? وبنينا فوقكم سبعا شدادا ? وجعلنا سراجا وهاجا ? وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ? لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا ?). . . . (فلينظر الإنسان الي طعامه . أنا صببنا الماء صبا . ثم شققنا الأرض شقا . فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا , وحدائق غلبا , وفاكهة وأبا . متاعا لكم ولأنعامكم). . وهو يقرأ(يا أيها الإنسان . ما غرك بربك الكريم , الذي خلقك فسواك فعدلك , في أي صورة ما شاء ركبك ?). . (سبح اسم ربك الأعلى , الذي خلق فسوى , والذي قدر فهدى . والذي أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى). .(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم , ثم رددناه أسفل سافلين , إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون . فما يكذبك بعد بالدين ? أليس الله بأحكم الحاكمين ?). . وهو يقرأ: إذا الشمس كورت , وإذا النجوم انكدرت , وإذا الجبال سيرت , وإذا العشار عطلت , وإذا الوحوش حشرت , وإذا البحار سجرت , وإذا النفوس زوجت , وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ? (وإذا الصحف نشرت , وإذا السماء كشطت , وإذا الجحيم سعرت , وإذا الجنة أزلفت . علمت نفس ما أحضرت). .(إذا السماء انفطرت , وإذا الكواكب انتثرت , وإذا البحار فجرت , وإذا القبور بعثرت . علمت نفس ما قدمت وأخرت). .(إذا السماء انشقت . وأذنت لربها وحقت . وإذا الأرض مدت , وألقت ما فيها وتخلت , وأذنت لربها وحقت . . .) (إذا زلزلت الأرض زلزالها , وأخرجت الأرض أثقالها , وقال الإنسان مالها . . يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها). . وهو يقرأ اللمحات والسبحات الكونية في مفاتح عدد من السور وفي ثناياها:(فلا أقسم بالخنس . الجوار الكنس . والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفس). .(فلا أقسم بالشفق , والليل وما وسق . والقمر إذا اتسق). .(والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر . والليل إذا يسر). .(والشمس وضحاها . والقمر إذا تلاها . والنهار إذا جلاها . والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها . والأرض وما طحاها . ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها). .(والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى . وما خلق الذكر والأنثى). .(والضحى . والليل إذا سجى). . الخ . . الخ . . وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان . وعلى مشاهد هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح . وعلى مشاهد القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية . ومشاهد الحساب والجزاء من نعيم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها . . واتخاذها جميعا دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة . مع التقريع بها والتخويف والتحذير . . وأحيانا تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين . والأمثلة على هذا هي الجزء كله . ولكنا نشير إلى بعض النماذج في هذا التقديم: هذه السورة - سورة النبأ - كلها نموذج كامل لهذا التركيز على هذه الحقائق والمشاهد . ومثلها سورة "النازعات" وسورة "عبس" تحتوي مقدمتها إشارة إلى حادث معين من حوادث الدعوة . . وبقيتها كلها حديث عن نشأة الحياة الإنسانية والحياة النباتية ثم عن الصاخة:(يوم يفر المرء من أخيه , وأمه , وأبيه , وصاحبته وبنيه , لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة , ووجوه يومئذ عليها غبرة , ترهقها قترة). وسورة "التكوير" وهي تصور مشاهد الانقلاب الكوني الهائلة في ذلك اليوم , مع عرض مشاهد كونية موحية في صدد القسم على حقيقة الوحي وصدق الرسول . وسورة "الانفطار" كذلك في عرض مشاهد الانقلاب مع مشاهد النعيم والعذاب , وهز الضمير البشري أمام هذه وتلك:(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم . . .)الخ" وسورة "الانشقاق" وهي تعرض مشاهد الانقلاب الكوني ومشاهد النعيم والعذاب . . وسورة "البروج" وهي تلقي إيقاعات سريعة حول مشاهد الكون ومشاهد اليوم بصدد إشارة إلى تعذيب الكفار لجماعة من المؤمنين في الدنيا بالنار . وعذاب الله لأولئك الكفار في الآخرة بالنار . وهو أشد وأنكى . . وسورة "الطارق" . . وهي تعرض مشاهد كونية مع نشأة الإنسان ونشأة النبات للقسم بالجميع:(إنه لقول فصل , وما هو بالهزل). . وسورة "الأعلى " وتتحدث عن الخلق والتسوية والتقدير والهداية , وإخراج المرعى وأطواره تمهيدا للحديث عن الذكر والآخرة والحساب والجزاء . . وسورة "الغاشية " . . وهي تصوير لمشاهد النعيم والعذاب . ثم توجيه إلى خلق الإبل والسماء والأرض والجبال . . وهكذا . . وهكذا . . إلى نهاية الجزء باستثناء سور قليلة تتحدث عن حقائق العقيدة ومنهج الإيمان . كسورة الإخلاص . وسورة الكافرون . وسورة الماعون . وسورة العصر . وسورة القدر . وسورة النصر . أو تسري عن رسول الله [ ص ] وتواسيه وتوجهه إلى الإستعاذه بربه من كل شر , كسور الضحى . والانشراح . والكوثر . والفلق . والناس . . وهي سور قليلة على كل حال . . وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء . هناك أناقة واضحة في التعبير , مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس , وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل , تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين , لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات . . يتجلى هذا كله بصورة واضحة في مثل تعبيره اللطيف عن النجوم التي تخنس وتتوارى كالظباء في كناسها وتبرز , وعن الليل وكأنه حي يعس في الظلام , والصبح وكأنه حي يتنفس بالنور: (فلا أقسم بالخنس , الجوار الكنس ; والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفس)وفي عرضه لمشاهد الغروب والليل والقمر:(فلا أقسم بالشفق , والليل وما وسق , والقمر إذا اتسق). أو لمشاهد الفجر والليل وهو يتمشى ويسري:(والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر . والليل إذا يسر).(والضحى . والليل إذا سجى). وفي خطابه الموحي للقلب البشري:(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ? الذي خلقك فسواك فعدلك . .)وفي وصف الجنة:(وجوه يومئذ ناعمة , لسعيها راضية , في جنة عالية , لا تسمع فيها لاغية . . .)ووصف النار: وأما من خفت موازينه فأمه هاوية . وما أدراك ما هيه ? نار حامية ! . . والأناقة في التعبير واضحة وضوح القصد في اللمسات الجمالية لمشاهد الكون وخوالج النفس . والعدول أحيانا عن اللفظ المباشر إلى الكناية , وعن اللفظ القريب إلى الإشتقاق البعيد , لتحقيق التنغيم المقصود , مما يؤكد هذه اللفتة خلال الجزء كله على وجه التقريب . . وهذه السورة نموذج لاتجاه هذا الجزء بموضوعاته وحقائقه وإيقاعاته ومشاهده وصوره وظلاله وموسيقاه ولمساته في الكون والنفس , والدنيا والآخرة ; واختيار الألفاظ والعبارات لتوقع أشد إيقاعاتها أثرا في الحس والضمير . وهي تفتتح بسؤال موح مثير للاستهوال والاستعظام وتضخيم الحقيقة التي يختلفون عليها , وهي أمر عظيم لا خفاء فيه , ولا شبهة ; ويعقب على هذا بتهديدهم يوم يعلمون حقيقته:(عم يتساءلون ? عن النبأ العظيم , الذي هم فيه مختلفون . كلا سيعلمون . ثم كلا سيعلمون !). . ومن ثم يعدل السياق عن المعنى في الحديث عن هذا النبأ ويدعه لحينه , ويلفتهم إلى ما هو واقع بين أيديهم وحولهم , في ذوات أنفسهم وفي الكون حولهم من أمر عظيم , يدل على ما وراءه ويوحي بما سيتلوه:(ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ? وخلقناكم أزواجا ? وجعلنا نومكم سباتا ? وجعلنا الليل لباسا , وجعلنا النهار معاشا ? وبنينا فوقكم سبعا شدادا ? وجعلنا سراجا وهاجا ? وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ? لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا ?). ومن هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والصور والإيقاعات يعود بهم إلى ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون , والذي هددهم به يوم يعلمون ! ليقول لهم ما هو ? وكيف يكون:(إن يوم الفصل كان ميقاتا . يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا . وفتحت السماء فكانت أبوابا . وسيرت الجبال فكانت سرابا). . ثم مشهد العذاب بكل قوته وعنفه: (إن جهنم كانت مرصادا , للطاغين مآبا , لابثين فيها أحقابا , لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا . إلا حميما وغساقا . جزاء وفاقا . إنهم كانوا لا يرجون حسابا , وكذبوا بآياتنا كذابا , وكل شيء أحصيناه كتابا . فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا). . ومشهد النعيم كذلك وهو يتدفق تدفقا:(إن للمتقين مفازا:حدائق وأعنابا , وكواعب أترابا , وكأسا دهاقا , لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا . جزاء من ربك عطاء حسابا). وتختم السورة بإيقاع جليل في حقيقته وفي المشهد الذي يعرض فيه . وبإنذار وتذكير قبل أن يجيء اليوم الذي يكون فيه هذا المشهد الجليل:(رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا . يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا . ذلك اليوم الحق . فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا . إنا أنذرناكم عذابا قريبا . يوم ينظر المرء ما قدمت يداه , ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا). . ذلك هو النبأ العظيم . الذي يتساءلون عنه . وذلك ما سيكون يوم يعلمون ذلك النبأ العظيم ! الدرس الأول:1 - 5 تهديد الكفار المنكرين للنبأ العظيم (عم يتساءلون ? عن النبأ العظيم . الذي هم فيه مختلفون . كلا ! سيعلمون . ثم كلا ! سيعلمون). . مطلع فيه استنكار لتساؤل المتسائلين , وفيه عجب أن يكون هذا الأمر موضع تساؤل . وقد كانوا يتساءلون عن يوم البعث ونبأ القيامة . وكان هو الأمر الذي يجادلون فيه أشد الجدل , ولا يكادون يتصورون وقوعه , وهو أولى شيء بأن يكون ! (عم يتساءلون ?). . وعن أي شيء يتحدثون ? ثم يجيب . فلم يكن السؤال بقصد معرفة الجواب منهم . إنما كان للتعجيب من حالهم وتوجيه النظر إلى غرابة تساؤلهم , بكشف الأمر الذي يتساءلون عنه وبيان حقيقته وطبيعته: (عن النبأ العظيم , الذي هم فيه مختلفون). . ولم يحدد ما يتساءلون عنه بلفظه , إنما ذكره بوصفه . . النبأ العظيم . . استطرادا في أسلوب التعجيب والتضخيم . . وكان الخلاف على اليوم بين الذين آمنوا به والذين كفروا بوقوعه . أما التساؤل فكان من هؤلاء وحدهم . ثم لا يجيب عن التساؤل , ولا يدلي بحقيقة النبأ المسؤول عنه . فيتركه بوصفه . . العظيم . . وينتقل إلى التلويح بالتهديد الملفوف , وهو أوقع من الجواب المباشر , وأعمق في التخويف: (كلا ! سيعلمون . ثم كلا ! سيعلمون !). . ولفظ كلا , يقال في الردع والزجر فهو أنسب هنا للظل الذي يراد إلقاؤه . وتكراره وتكرار الجملة كلها فيه من التهديد ما فيه . الدرس الثاني:6 - 16 تذكيرهم ببعض نعم الله عليهم ثم يبعد في ظاهر الأمر عن موضوع ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون . ليلتقي به بعد قليل . يبعد في جولة قريبة في هذا الكون المنظور مع حشد من الكائنات والظواهر والحقائق والمشاهد , تهز الكيان حين يتدبرها الجنان: (ألم نجعل الأرض مهادا ? والجبال أوتادا ? وخلقناكم أزواجا ? وجعلنا نومكم سباتا ? وجعلنا الليل لباسا ? وجعلنا النهار معاشا ? وبنينا فوقكم سبعا شدادا ? وجعلنا سراجا وهاجا ? وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ? لنخرج به حبا ونباتا , وجنات ألفافا ?). . وهذه الجولة التي تتنقل في أرجاء هذا الكون الواسع العريض , مع هذا الحشد الهائل من الصور والمشاهد , تذكر في حيز ضيق مكتنز من الألفاظ والعبارات , مما يجعل إيقاعها في الحس حادا ثقيلا نفاذا , كأنه المطارق
التالي
|