|
في ظلال القرآن
الكريم
النحل من الاية 1 الى الاية 1 أَتَى أَمْرُ اللّهö فَلاَ تَسْتَعْجöلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرöكُونَ (1)
النحل بسم الله الرحمن الرحيم الوحدة الأولى:1 - 21 الموضوع:بعض آيات الله في الخلق والأنعام والعلم التعريف بسورة النحل هذه السورة هادئة الإيقاع , عادية الجرس ; ولكنها مليئة حافلة . موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة ; والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل ; والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة , والظلال التي تلونها عميقة الخطوط . وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى:الألوهية . والوحي . والبعث . ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية . تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم - عليه السلام - ودين محمد [ ص ] وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال . وتلم بوظيفة الرسل , وسنة الله في المكذبين لهم . وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع . وتلم بالهجرة في سبيل الله , وفتنة المسلمين في دينهم , والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله . . ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة:العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد , وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة . . وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها . فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات , والمجال الذي تجري فيه الأحداث , فهو فسيح شامل . . هو السماوات والأرض . والماء الهاطل والشجر النامي . والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار . وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها , والأخرى بأقدارها ومشاهدها . وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق . في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير . حملة هادئة الإيقاع , ولكنها متعددة الأوتار . ليست في جلجلة الأنعام والرعد , ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري , وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس . إنها تخاطب العين لترى , والأذن لتسمع , واللمس ليستشعر , والوجدان ليتأثر , والعقل ليتدبر . وتحشد الكون كله:سماؤه وأرضه , وشمسه وقمره , وليله ونهاره , وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره وظلاله وأكنانه نبته وثماره , وحيوانه وطيوره . كما تحشد دنياه وآخرته , وأسراره وغيوبه . . كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب , مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت , والحس المطموس . هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون , وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة , وصور الاحتضار , ومصارع الغابرين ; تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس , وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون , وهم في الشباب والهرم والشيخوخة , وهم في حالات الضعف والقوة , وهم في أحوال النعمة والنقمة . كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح . فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق , وعظمة النعمة , وعظمة العلم والتدبير . . كلها متداخلة . . فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير , ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر , لا تلبي ضروراتهم وحدها , ولكن تلبي أشواقهم كذلك , فتسد الضرورة . وتتخذ للزينة , وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم , لعلهم يشكرون . . ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر , والتوجيهات إليها , والتعقيب بها في مقاطع السورة , وتضرب عليها الأمثال , وتعرض لها النماذج , وأظهرها نموذج إبراهيم(شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم). كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات , والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق . ونبدأ الشوط الأول , وموضوعه هو التوحيد ; وأدواته هي آيات الله في الخلق , وأياديه في النعمة , وعلمه الشامل في السر والعلانية , والدنيا والآخرة . فلنأخذ في التفصيل: الدرس الأول:1 - 2 إثبات الوحي والنبوة والإنذار (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون . ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده:أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون). . لقد كان مشركوا مكة يستعجلون الرسول [ ص ] أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل بهم العذاب زادوا استعجالا , وزادوا استهزاء , وزادوا استهتارا ; وحسبوا أن محمدا يخوفهم ما لا وجود له ولا حقيقة , ليؤمنوا له ويستسلموا . ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ; ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون , وآياته في القرآن . هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب , خيرا من خطابها بالعذاب ! والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور , وحرية الإرادة والتفكير . وجاء مطلع السورة حاسما جازما: أتى أمر الله . . يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة ; وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره الله لوقوعه (فلا تستعجلوه)فإن سنة الله تمضي وفق مشيئته , لا يقدمها استعجال . ولا يؤخرها رجاء . فأمر الله بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى , أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر , لا يستقدم ساعة ولا يتأخر . وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر , وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع ; فأمر الله لا بد واقع , ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه , ويتحقق به وجوده , فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة , في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور . فأما ما هم عليه من شرك بالله الواحد , وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه الله عنه وتعالى:
التالي
|