(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله . وأولئك هم الكاذبون)
فالكذب جريمة فاحشة لا يقدم عليها مؤمن . وقد نفى الرسول [ ص ] في حديث له صدورها عن المسلم , وإن كان يصدر عنه غيرها من الذنوب .
الدرس الخامس:106 - 111 الرخصة في النطق بكلمة الكفر وأجر المجاهدين المهاجرين
ثم ينتقل السياق إلى بيان أحكام من يكفر بعد الإيمان:
(من كفر بالله من بعد إيمانه - إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله , ولهم عذاب عظيم . ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة , وأن الله لا يهدي القوم الكافرين . أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم , وأولئك هم الغافلون . لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون). .
ولقد لقي المسلمون الأوائل في مكة من الأذى ما لا يطيقه إلا من نوى الشهادة , وآثر الحياة الأخرى , ورضي بعذاب الدنيا عن العودة إلى ملة الكفر والضلال .
والنص هنا يغلظ جريمة من كفر بالله من بعد إيمانه . لأنه عرف الإيمان وذاقه , ثم ارتد عنه إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة . فرماهم بغضب من الله , وبالعذاب العظيم , والحرمان من الهداية ; ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار ; وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون . . ذلك أن العقيدة لا يجوز أن تكون موضع مساومة , وحساب للربح والخسارة . ومتى آمن القلب بالله فلا يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الأرض ; فللأرض حساب , وللعقيدة حساب ولا يتداخلان . وليست العقيدة هزلا , وليست صفة قابلة للأخذ والرد فهي أعلى من هذا وأعز . ومن ثم كل هذا التغليظ في العقوبة , والتفظيع للجريمة .
واستثنى من ذلك الحكم الدامغ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . أي من أظهر الكفر بلسانه نجاة لروحه من الهلاك , وقلبه ثابت على الإيمان مرتكن إليه مطمئن به . وقد روى أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر .
روى ابن جرير - بإسناده - عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال:أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا . فشكا ذلك إلى النبي [ ص ] فقال النبي [ ص ] " كيف تجد قلبك ? " قال:مطمئنا بالإيمان . قال النبي [ ص ]:" إن عادوا فعد " . . فكانت رخصة في مثل هذه الحال .
وقد أبى بعض المسلمين أن يظهروا الكفر بلسانهم مؤثرين الموت على لفظة باللسان . كذلك صنعت سمية أم ياسر , وهي تطعن بالحرية في موضع العفة حتى تموت وكذلك صنع أبوه ياسر .
وقد كان بلال - رضوان الله عليه - يفعل المشركون به الأفاعيل حتى ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر , ويأمرونه بالشرك بالله , فيأبى عليهم وهو يقول:أحد . أحد . ويقول:والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها .
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب:أتشهد أن محمدا رسول الله . فيقول:نعم . فيقول:أتشهد أني رسول الله ? فيقول:لا أسمع ! فلم يزل يقطعه إربا إربا , وهو ثابت على ذلك .
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذيفة السهمي - أحد الصحابة رضوان الله عليهم - أنه