وبمناسبة ما حرم على المسلمين من الخبائث , يشير إلى ما حرم على اليهود من الطيبات . بسبب ظلمهم . جعل هذا التحريم عقوبة لهم على عصيانهم ولم يكن محرما على آبائهم في عهد إبراهيم الذي كان أمة قانتا لله حنيفا , ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم , فكانت حلالا له الطيبات ولبنيه من بعده , حتى حرم الله بعضها على اليهود في صورة عقوبة لهم خاصة . ومن تاب بعد جهالته فالله غفور رحيم .
ثم جاء دين محمد امتدادا واتباعا لدين إبراهيم , فعادت الطيبات حلالا كلها . وكذلك السبت الذي منع فيه اليهود من الصيد . فإنما السبت على أهله الذين اختلفوا فيه ففريق كف عن الصيد وفريق نقض عهده فمسخه الله وانتكس عن مستوى الإنسانية الكريم .
وتختم السورة عند هذه المناسبة بالأمر إلى الرسول [ ص ] أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة . وأن يجادلهم بالتي هي أحسن . وأن يلتزم قاعدة العدل في رد الاعتداء بمثله دون تجاوز . . والصبر والعفو خير . والعاقبة بعد ذلك للمتقين المحسنين لأن الله معهم , ينصرهم ويرعاهم ويهديهم طريق الخير والفلاح .
الدرس الأول:112 - 117 عقاب من جحدوا نعم الله وبيان ما حرم الله والنهي عن التحريم بغير أمر الله
(وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة , يأتيها رزقها رغدا من كل مكان , فكفرت بأنعم الله , فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه , فأخذهم العذاب وهم ظالمون). .
وهي حال أشبه شيء بحال مكة . جعل الله فيها البيت , وجعلها بلدا حراما من دخله فهو آمن مطمئن , لا تمتد إليه يد ولو كان قاتلا , ولا يجرؤ أحد على إيذائه وهو في جوار بيت الله الكريم . وكان الناس يتخطفون من حول البيت وأهل مكة في حراسته وحمايته آمنون مطمئنون . كذلك كان رزقهم يأتيهم هينا هنيئا من كل مكان مع الحجيج ومع القوافل الآمنة , مع أنهم في واد قفر جدب غير ذي زرع , فكانت تجبي إليهم ثمرات كل شيء فيتذوقون طعم الأمن وطعم الرغد منذ دعوة إبراهيم الخليل .
ثم إذا رسول منهم , يعرفونه صادقا أمينا , ولا يعرفون عنه ما يشين , يبعثه الله فيهم رحمة لهم وللعالمين , دينه دين إبراهيم باني البيت الذي ينعمون في جواره بالأمن والطمأنينة والعيش الرغيد ; فإذا هم يكذبونه , ويفترون عليه الافتراءات , وينزلون به وبمن اتبعوه الأذى . وهم ظالمون .
والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم , وعاقبة المثل أمامهم . مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله , وكذبت رسوله (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون .
ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسا ; ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا , لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد . وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس . لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون .
وفي ظل هذا المثل الذي تخايل فيه النعمة والرزق , كما يخايل فيه المنع والحرمان , يأمرهم بالأكل مما أحل لهم من الطيبات وشكر الله على نعمته إن كانوا يريدون أن يستقيموا على الإيمان الحق بالله , وأن يخلصوا له