ومن مظاهر التدبير في الخلق , وظواهر النعمة على البشر في آن:الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . فكلها مما يلبي حاجة الإنسان في الأرض . وهي لم تخلق له ولكنها مسخرة لمنفعته . فظاهرة الليل والنهار ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري . ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار , ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون .
كذلك الشمس والقمر . وعلاقتهما بالحياة على الكوكب الأرضي , وعلاقة الحياة بهما في أصلها وفي نموها , (والنجوم مسخرات بأمره)للإنسان ولغير الإنسان مما يعلم الله . .
وكل أولئك طرف من حكمة التدبير , وتناسق النواميس في الكون كله , يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل وتدرك ما وراء الظواهر من سنن وقوانين: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). .
والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان:
(وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه . إن في ذلك لآية لقوم يذكرون). .
وما خلق الله في الأرض وما أودع فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان . ونظرة إلى هذه الذخائر المخبوءة في الأرض , المودعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوما بعد يوم , ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها . وكلما قيل:إن كنزا منها قد نفد أعقبه كنز آخر غني , من رزق الله المدخر للعباد . . (إن في ذلك لآية لقوم يذكرون)ولا ينسون أن يد القدرة هي التي خبأت لهم هذه الكنوز .
والفوج الخامس من أفواج الخلق والأنعام في البحر الملح الذي لا يشرب ولا يسقي , ولكنه يشتمل على صنوف من آلاء الله على الإنسان:
(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا , وتستخرجوا منه حلية تلبسونها , وترى الفلك مواخر فيه , ولتبتغوا من فضله , ولعلكم تشكرون). .
ونعمة البحر وأحيائه تلبي كذلك ضرورات الإنسان وأشواقه . فمنه اللحم الطري من السمك وغيره للطعام . وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان , وغيرهما من الأصداف والقواقع التي يتحلى بها أقوام ما يزالون حتى الآن . والتعبير كذلك عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال: (وترى الفلك مواخر فيه)فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها:رؤية الفلك(مواخر)تشق الماء وتفرق العباب . . ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلي الجمال في مظاهر الكون , بجانب الضرورة والحاجة , لنتملى هذا الجمال ونستمتع به , ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات .
كذلك يوجهنا السياق - أمام مشهد البحر والفلك تشق عبابه - إلى ابتغاء فضل الله ورزقه , وإلى شكره على ما سخر من الطعام والزينة والجمال في ذلك الملح الأجاج: (ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون).
والفوج الأخير في هذا المقطع من السورة:
وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم , وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون . وعلامات وبالنجم هم يهتدون .
فأما الجبال الرواسي فالعلم الحديث يعلل وجودها ولكنه لا يذكر وظيفتها التي يذكرها القرآن هنا . يعلل وجودها بنظريات كثيرة متعارضة أهمها أن جوف الأرض الملتهب يبرد فينكمش , فتتقلص القشرة الأرضية من فوقه وتتجعد فتكون الجبال والمرتفعات والمنخفضات . ولكن القرآن يذكر أنها تحفظ توازن الأرض . وهذه الوظيفة لم يتعرض لها العلم الحديث .