يعرض صورا من مقولات المتقين المؤمنين وما ينتظرهم عند الاحتضار ويوم البعث من طيب الجزاء . وينتهي بذلك المشهد الخاشع الطائع للظلال والدواب والملائكة في الأرض والسماء . . الدرس الأول:22 - 29 شرك الكفار وإنكارهم النبوة ولفت نظرهم لهلاك السابقين
(إلهكم إله واحد . فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون . لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون , إنه لا يحب المستكبرين). .
ويجمع السياق بين الإيمان بوحدة الله والإيمان بالآخرة . بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد بعقيدة البعث والجزاء . فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء . .
(إلهكم إله واحد)وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة , الواضحة الآثار في نواميس الكون وتناسقها وتعاونها كما سلف الحديث .
فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة , ولا يؤمنون بالآخرة - وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله - هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين , إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم . إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات , وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول . فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب ! .
والله الذي خلقهم يعلم ذلك منهم . فهو يعلم ما يسرون وما يعلنون . يعلمه دون شك ولا ريب ويكرهه فيهم . (إنه لا يحب المستكبرين)فالقلب المستكبر لا يرجى له أن يقتنع أو يسلم . ومن ثم فهم مكرهون من الله لاستكبارهم الذي يعلمه من يعلم حقيقة أمرهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون .
(وإذا قيل لهم:ماذا أنزل ربكم ? قالوا:أساطير الأولين . ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم , ألا ساء ما يزرون).
هؤلاء المستكبرون ذوو القلوب المنكرة التي لا تقتنع ولا تستجيب إذا سئلوا: (ماذا أنزل ربكم ?)لم يجيبوا الجواب الطبيعي المباشر , فيتلوا شيئا من القرآن أو يلخصوا فحواه , فيكونوا أمناء في النقل , ولو لم يعتقدوه . إنما هم يعدلون عن الجواب الأمين فيقولون: (أساطير الأولين)والأساطير هي الحكايات الوهمية الحافلة بالخرافة . . وهكذا يصفون هذا القرآن الذي يعالج النفوس والعقول , ويعالج أوضاع الحياة وسلوك الناس وعلاقات المجتمع وأحوال البشر في الماضي والحاضر والمستقبل . هكذا يصفونه لما يحويه من قصص الأولين . وهكذا يؤدي بهم ذلك الإنكار والاستهتار إلى حمل ذنوبهم وشطر من ذنوب الذين يضلونهم بهذا القول , ويصدونهم عن القرآن والإيمان , وهم جاهلون به لا يعلمون حقيقته . . ويصور التعبير هذه الذنوب أحمالا ذات ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا ! - فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور , وهي تثقل القلوب , كما تثقل الأحمال العواتق , وهي تتعب وتشقي كما تتعب الأثقال حامليها بل هي أدهى وأنكى !
روى ابن أبي حاتم عن السدي قال:"اجتمعت قريش , فقالوا:إن محمدا رجل حلو اللسان , إذا كلمه الرجل ذهب بعقله , فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم , فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين , فمن جاء يريده فردوه عنه . فخرج ناس في كل طريق فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد , ووصل إليهم , قال أحدهم:أنا فلان ابن فلان . فيعرفه نسبه , ويقول له:أنا أخبرك عن محمد . إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم ,