وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له . فيرجع الوافد . فذلك قوله تعالى:(وإذا قيل لهم:ماذا أنزل ربكم ? قالوا:أساطير الأولين). فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد , فقالوا له مثل ذلك قال:بئس الوافد لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل , وانظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره . فيدخل مكة , فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد ? فيقولون:خيرا . . " . فقد كانت حرب دعاية منظمة يديرها قريش على الدعوة , ويديرها أمثال قريش في كل زمان ومكان من المستكبرين الذين لا يريدون الخضوع للحق والبرهان , لأن استكبارهم يمنعهم من الخضوع للحق والبرهان . فهؤلاء المستكبرون من قريش ليسوا أول من ينكر , وليسوا أول من يمكر . والسياق يعرض عليهم نهاية الماكرين من قبلهم , ومصيرهم يوم القيامة , بل مصيرهم منذ مفارقة أرواحهم لأجسادهم حتى يلقوا في الآخرة جزاءهم . يعرض عليهم هذا كله في مشاهد مصورة على طريقة القرآن المأثورة:
(قد مكر الذين من قبلهم . فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم , وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون . ثم يوم القيامة يخزيهم , ويقول:أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ? قال الذين أوتوا العلم:إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين , الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم , فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء . بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها , فلبئس مثوى المتكبرين).
(قد مكر الذين من قبلهم)والتعبير يصور هذا المكر في صورة بناء ذي قواعد وأركان وسقف إشارة إلى دقته وإحكامه ومتانته وضخامته . ولكن هذا كله لم يقف أمام قوة الله وتدبيره: (فأتى الله بنيانهم من القواعد , فخر عليهم السقف من فوقهم)وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل , يطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم , فالقواعد التي تحمل البناء تحطم وتهدم من أساسها , والسقف يخر عليهم من فوقهم فيطبق عليهم ويدفنهم (وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون)فإذا البناء الذي بنوه وأحكموا واعتمدوا على الاحتماء فيه . إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم , ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم ومن أسفل منهم . وهو الذي اتخذوه للحماية ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته !
إنه مشهد كامل للدمار والهلاك , وللسخرية من مكر الماكرين وتدبير المدبرين , الذين يقفون لدعوة الله , ويحسبون مكرهم لا يرد , وتدبيرهم لا يخيب , والله من ورائهم محيط !
وهو مشهد مكرر في الزمان قبل قريش وبعدها . ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون , ومهما يدبر المدبرون . وبين الحين والحين يتلفت الناس فيذكرون ذلك المشهد المؤثر الذي رسمه القرآن الكريم: (فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم , وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون).
هذا في الدنيا , وفي واقع الأرض: (ثم يوم القيامة يخزيهم , ويقول:أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ?).
ويرتسم مشهد من مشاهد القيامة يقف فيه هؤلاء المستكبرون الماكرون موقف الخزي ; وقد انتهى عهد الاستكبار والمكر . وجاءوا إلى صاحب الخلق والأمر , يسألهم سؤال التبكيت والتأنيب: (أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ?)أين شركائي الذين كنتم تخاصمون من أجلهم الرسول والمؤمنين , وتجادلون فيهم المقرين الموحدين ? .
ويسكت القوم من خزي , لتنطلق ألسنة الذين أوتوا العلم من الملائكة والرسل والمؤمنين وقد أذن الله لهم أن يكونوا في هذا اليوم متكلمين ظاهرين: (قال الذين أوتوا العلم:إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين). .