وعجيب أمر الناس . فإنهم يرون ما حل بمن قبلهم ممن يسلكون طريقهم , ثم يظلون سادرين في الطريق غير متصورين أن ما أصاب غيرهم يمكن أن يصيبهم , وغير مدركين أن سنة الله تمضي وفق ناموس مرسوم , وأن المقدمات تعطي دائما نتائجها , وأن الأعمال تلقى دائما جزاءها , وأن سنة الله لن تحابيهم ولن تتوقف إزاءهم , ولن تحيد عن طريقهم .
(وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)فقد آتاهم الله حرية التدبر والتفكر والاختيار , وعرض عليهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم , وحذرهم العاقبة , ووكلهم إلى عملهم وإلى سنته الجارية . فما ظلمهم في مصيرهم المحتوم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
وما قسا عليهم في عقوبة , إنما قست عليهم سيئات أعمالهم , لأنهم أصيبوا بها أي بنتائجها الطبيعية وجرائرها:(فأصابهم سيئات ما عملوا , وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون). . ولهذا التعبير وأمثاله دلالة فإنهم لا يعاقبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية . وإنهم ليصابون بجرائر سلوكهم التلقائية . وهم ينتكسون إلى أدنى من رتبة البشرية بما يعملون , فيجازون بما هو أدنى من رتبة البشرية في دركات المقام المهين , والعذاب الأليم .
الدرس الرابع:35 - 37 تصويب فهم المشركين الخاطيء للمشيئة الإلهية
ومقولة جديدة من مقولات المشركين عن علة شركهم وملابساته:
وقال الذين أشركوا:لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا , ولا حرمنا من دونه من شيء . كذلك فعل الذين من قبلهم . فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ? ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ; فمنهم من هدى الله , ومنهم من حقت عليه الضلالة . فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . .
إنهم يحيلون شركهم وعبادتهم آلهة من دون الله هم وآباؤهم , وأوهام الوثنية التي يزاولونها من تحريمهم لبعض الذبائح وبعض الأطعمة على أنفسهم بغير شريعة من الله . . إنهم يحيلون هذا كله على إرادة الله ومشيئته . فلو شاء الله - في زعمهم - ألا يفعلوا شيئا من هذا لمنعهم من فعله .
وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية . وتجريد للإنسان من أهم خصائصه التي وهبها له الله لاستخدامها في الحياة .
فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك , ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات . وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه , على ألسنة الرسل الذين كلفوا التبليغ وحده فقاموا به وأدوه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)فهذا أمره وهذه إرادته لعباده . والله - تعالى - لا يأمر الناس بأمر يعلم أنه منعهم خلقة من القدرة عليه , أو دفعهم قسرا إلى مخالفته . وآية عدم رضاه عن مخالفة أمره هذا ما أخذ به المكذبين (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
إنما شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى وللضلال , وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين ; ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين , بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار . . ثم شاءت رحمة الله بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده , فوضع لهذا العقل ميزانا ثابتا في شرائعه التي