وغفلوا عن معجزة الحياة الأولى . . وغفلوا عن طبيعة القدرة الإلهية , وأنها لا تقاس إلى تصورات البشر وطاقاتهم . وأن إيجاد شيء لا يكلف تلك القدرة شيئا ; فيكفي أن تتوجه الإرادة إلى كون الشيء ليكون .
وغفلوا كذلك عن حكمة الله في البعث . وهذه الدنيا لا يبلغ أمر فيها تمامه . فالناس يختلفون حول الحق والباطل , والهدى والضلال , والخير والشر . وقد لا يفصل بينهم فيما يختلفون فيه في هذه الأرض لأن إرادة الله شاءت أن يمتد ببعضهم الأجل , وألا يحل بهم عذابه الفاصل في هذه الديار . حتى يتم الجزاء في الآخرة ويبلغ كل أمر تمامه هناك .
والسياق يرد على تلك المقولة الكافرة , ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات فيبدأ بالتقرير: (بلى . وعدا عليه حقا)ومتى وعد الله فقد كان ما وعد به لا يتخلف بحال من الأحوال (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)حقيقة وعد الله .
وللأمر حكمته:(ليبين لهم الذي يختلفون فيه , وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين)فيما ادعوا أنهم على الهدى ; وفيما زعموا من كذب الرسل , ومن نفي الآخرة ; وفيما كانوا فيه من اعتقاد ومن فساد .
والأمر بعد ذلك هين:(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له:كن . فيكون). .
والبعث شيء من هذه الأشياء يتم حالما تتوجه إليه الإرادة دون إبطاء .
الدرس السادس:41 - 42 ثواب المهاجرين الصابرين
وهنا يعرض في الجانب المقابل للمنكرين الجاحدين , لمحة عن المؤمنين المصدقين , الذين يحملهم يقينهم في الله والآخرة على هجر الديار والأموال , في الله , وفي سبيل الله:
(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة , ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون). .
فهؤلاء الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم , وتعروا عما يملكون وعما يحبون , وضحوا بدارهم وقرب عشيرتهم والحبيب من ذكرياتهم . . هؤلاء يرجون في الآخرة عوضا عن كل ما خلفوا وكل ما تركوا . وقد عانوا الظلم وفارقوه . فإذا كانوا قد خسروا الديار ف (لنبوئنهم في الدنيا حسنة)و لنسكننهم خيرا مما فقدوا (ولأجر الآخرة أكبر)لو كان الناس يعلمون . هؤلاء (الذين صبروا)واحتملوا ما احتملوا (وعلى ربهم يتوكلون)لا يشركون به أحدا في الاعتماد والتوجه والتكلان .
الدرس السابع:43 - 44 إثبات نبوة محمد ونبوات الأنبياء السابقين وسؤال أهل الكتاب
ثم يعود السياق إلى بيان وظيفة الرسل التي أشار عليها عند الرد على مقولة المشركين عن إرادة الله الشرك لهم ولآبائهم . يعود إليها لبيان وظيفة الرسول الأخير - صلوات الله وسلامه عليه - وما معه من الذكر الأخير . وذلك تمهيدا لإنذار المكذبين به ما يتهددهم من هذا التكذيب:
(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم , فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . بالبينات والزبر , وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم , ولعلهم يتفكرون). .
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا . . لم نرسل ملائكة , ولم نرسل خلقا آخر . رجالا مختارين (نوحي إليهم)كما أوحينا إليك , ونكل إليهم التبليغ كما وكلنا إليك . (فاسألوا أهل الذكر)أهل الكتاب الذين جاءتهم