يجعلون لله ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق بأن لهم الحسنى , وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا ! وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم هي التي جاءهم الرسول [ ص ] ليبين لهم الحقيقة فيها هدى ورحمة للمؤمنين . ثم يأخذ في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة فالله وحده هو القادر عليها الموجد لها , وهي هي دلائل الألوهية لا سواها:فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها . والله يسقي الناس - غير الماء - لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم . والله يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكرا ورزقا حسنا . والله أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون , ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس . . ثم الله يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجا لا يعلم شيئا . والله فضل بعضهم على بعض في الرزق . والله جعل لهم من أنفسهم أزواجا وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة . . . وهم بعد هذا كله يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض ولا يقدرون على شيء . ويجعلون لله الأشباه والأمثال ! .
هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم , يوجههم إليها لعلهم يستشعرون القدرة وهي تعمل في ذواتهم وفي أرزاقهم وفي طعامهم وفي شرابهم , وفي كل شيء حولهم . . ثم يختمها بالمثلين الواضحين الموضحين اللذين أشرنا إليهما آنفا . فهي حملة على الوجدان البشري والعقل البشري , ذات إيقاعات عميقة , تضرب على أوتار حساسة في النفس البشرية يصعب ألا تهتز لها وتتأثر وتستجيب .
الدرس الأول:51 - 55 دعوة إلى توحيد الألوهية لأن الله هو المالك المنعم الضار النافع
وقال الله:لا تتخذوا إلهين اثنين , إنما هو إله واحد فإياي فارهبون . وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا . أفغير الله تتقون . وما بكم من نعمة فمن الله ; ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشكرون , ليكفروا بما آتيناهم , فتمتعوا فسوف تعلمون . .
لقد أمر الله ألا يتخذ الناس إلهين اثنين . إنما هو إله واحد لا ثاني له . ويأخذ التعبير أسلوب التقرير والتكرير فيتبع كلمة إلهين بكلمة اثنين , ويتبع النهي بالقصر إنما هو إله واحد . ويعقب على النهي والقصر بقصر آخر (فإياي فارهبون)دون سواي بلا شبيه أو نظير . ويذكر الرهبة زيادة في التحذير . . ذلك أنها القضية الأساسية في العقيدة كلها , لا تقوم إلا بها , ولا توجد إلا بوجودها في النفس واضحة كاملة دقيقة لا لبس فيها ولا غموض .
إنما هو إله واحد . . وإنما هو كذلك مالك واحد: (وله ما في السماوات والأرض). . ودائن واحد (وله الدين واصبا)[ أي واصلا منذ ما وجد الدين , فلا دين إلا دينه ] ومنعم واحد: (وما بكم من نعمة فمن الله). وفطرتكم تلجأ إليه وحده ساعة العسرة والضيق , وتنتفي عنها أوهام الشرك والوثنية فلا تتوجه إلا إليه دون شريك: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون)وتصرخون لينجيكم مما أنتم فيه .
وهكذا يتفرد سبحانه وتعالى بالألوهية والملك والدين والنعمة والتوجه ; وتشهد فطرة البشر بهذا كله حين يصهرها الضر وينفض عنها أوشاب الشرك . . ومع هذا فإن فريقا من البشر يشركون بالله بعد توحيده حالما ينجيهم من الضر المحيق ! فينتهوا إلى الكفر بنعمة الله عليهم , وبالهدى الذي آتاهم . . فلينظروا إذن ما يصيبهم بعد المتاع القصير: (فتمتعوا فسوف تعلمون). .