هذا النموذج الذي يرسمه التعبير هنا (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون , ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشكرون). . نموذج متكرر في البشرية . ففي الضيق تتوجه القلوب إلى الله , لأنها تشعر بالفطرة إلا عاصم لها سواه . وفي الفرج تتلهى بالنعمة والمتاع , فتضعف صلتها بالله , وتزيغ عنه ألوانا من الزيغ تبدو في الشرك به وتبدو كذلك في صور شتى من تأليه قيم وأوضاع ولو لم تدع باسم الإله ! .
ولقد يشتد انحراف الفطرة وفسادها , فإذا بعضهم في ساعة العسرة لا يلجأ إلى الله ; ولكن يلجأ إلى بعض مخاليقه يدعوها للنصرة والإنقاذ والنجاة , بحجة أنها ذات جاه أو منزلة عند الله , أو بغير هذه الحجة في بعض الأحيان , كالذين يدعون الأولياء لإنقاذهم من مرض أو شدة أو كرب . . فهؤلاء أشد انحرافا من مشركي الجاهلية الذين يرسم لهم القرآن ذلك النموذج الذي رأيناه ! .
الدرس الثاني:56 ذم الكفار في تحريمه مالم يحرمه الله وتوجيهه لغير الله
(ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم). فإذا هم يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام . لا يركبونها أولا يذوقون لحومها . أو يبيحونها للذكور دون الإناث - كما أسلفنا في سورة الأنعام - باسم الآلهة المدعاة ; التي لا يعلمون عنها شيئا , إنما هي أوهام موروثة من الجاهلية الأولى . والله هو الذي رزقهم هذه النعمة التي يجعلون لما لا يعلمون نصيبا منها , فليست هي من رزق الآلهة المدعاة لهم ليردوها عليها , إنما هي من رزق الله , الذي يدعوهم إلى توحيده فيشركون به سواه ! .
وهكذا تبدو المفارقة في تصورهم وفي تصرفهم على السواء . . الرزق كله من الله . والله يأمر ألا يعبد سواه فهم يخالفون عن أمره فيتخذون الآلهة . وهم يأخذون من رزقه فيجعلونه لما نهاهم عنه ! وبهذا تتبدى المفارقة واضحة جاهرة عجيبة مستنكرة ! .
وما يزال أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت , يجعلون نصيبا من رزق الله لهم موقوفا على ما يشبه آلهة الجاهلية . ما يزال بعضهم يطلق عجلا يسميه "عجل السيد البدوي" يأكل من حيث يشاء لا يمنعه أحد , ولا ينتفع به أحد , حتى يذبح على اسم السيد البدوي لا على اسم الله ! وما يزال بعضهم ينذرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله , ولا باسم الله , ولكن باسم ذلك الولي , على ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقهم الله . وهو حرام نذره على هذا الوجه . حرام لحمه . ولو سمي اسم الله عليه . لأنه أهل لغير الله به ! .
(تالله لتسألن عما كنتم تفترون)بالقسم والتوكيد الشديد . فهو افتراء يحطم العقيدة من أساسها لأنه يحطم فكرة التوحيد .
الدرس الثالث:57 - 62 ذم الكفار في موقفهم من البنات ونسبتهن لله
(ويجعلون لله البنات - سبحانه - ولهم ما يشتهون . وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بشر به , أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ? ألا ساء ما يحكمون !). .
إن الانحراف في العقيدة لا تقف آثاره عند حدود العقيدة , بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها . فالعقيدة هي المحرك الأول للحياة , سواء ظهرت أو كمنت . وهؤلاء عرب الجاهلية كانوا يزعمون أن لله بنات - هن الملائكة - على حين أنهم كانوا يكرهون لأنفسهم ولادة البنات ! فالبنات لله أما هم فيجعلون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور ! .