وانحرافهم عن العقيدة الصحيحة سول لهم وأد البنات أو الإبقاء عليهن في الذل والهوان من المعاملة السيئة والنظرة الوضيعة . ذلك أنهم كانوا يخشون العار والفقر مع ولادة البنات . إذ البنات لا يقاتلن ولا يكسبن ; وقد يقعن في السبي عند الغارات فيجلبن العار ; أو يعشن كلا على أهليهن فيجلبن الفقر .
والعقيدة الصحيحة عصمة من هذا كله . إذ الرزق بيد الله يرزق الجميع ; ولا يصيب أحد إلا ما كتب له ; ثم إن الإنسان بجنسيه كريم على الله , والأنثى - من حيث إنسانيتها - صنو الرجل وشطر نفسه كما يقرر الإسلام .
ويرسم السياق صورة منكرة لعادات الجاهلية:(وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم)مسودا من الهم والحزن والضيق , وهو كظيم , يكظم غيظه وغمه , كأنها بلية , والأنثى هبة الله له كالذكر , وما يملك أن يصور في الرحم أنثى ولا ذكرا , وما يملك أن ينفخ فيه حياة , وما يملك أن يجعل من النطفة الساذجة إنسانا سويا . وإن مجرد تصور الحياة نامية متطورة من نطفة إلى بشر - بإذن الله - ليكفي لاستقبال المولود - أيا كان جنسه - بالفرح والترحيب وحسن الاستقبال , لمعجزة الله التي تتكرر , فلا يبلى جدتها التكرار ! فكيف يغتم من يبشر بالأنثى ويتواري من القوم من سوء ما بشر به وهو لم يخلق ولم يصور . إنما كان أداة القدرة في حدوث المعجزة الباهرة ? .
وحكمة الله , وقاعدة الحياة , اقتضت أن تنشأ الحياة من زوجين ذكر وأنثى . فالأنثى أصيلة في نظام الحياة أصالة الذكر ; بل ربما كانت أشد أصالة لأنها المستقر . فكيف يغتم من يبشر بالأنثى , وكيف يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ونظام الحياة لا يقوم إلا على وجود الزوجين دائما ? .
إنه انحراف العقيدة ينشيء آثاره في انحراف المجتمع وتصوراته وتقاليده . . (ألا ساء ما يحكمون)وما أسوأه من حكم وتقدير .
وهكذا تبدو قيمة العقيدة الإسلامية في تصحيح التصورات والأوضاع الاجتماعية . وتتجلى النظرة الكريمة القويمة التي بثها في النفوس والمجتمعات تجاه المرأة , بل تجاه الإنسان . فما كانت المرأة هي المغبونة وحدها في المجتمع الجاهلي الوثني إنما كانت "الإنسانية " في أخص معانيها . فالأنثى نفس إنسانية , إهانتها إهانة للعنصر الإنساني الكريم , ووأدها قتل للنفس البشرية , وإهدار لشطر الحياة ; ومصادمة لحكمة الخلق الأصيلة , التي اقتضت أن يكون الأحياء جميعا - لا الإنسان وحده - من ذكر وأنثى .
وكلما انحرفت المجتمعات عن العقيدة الصحيحة عادت تصورات الجاهلية تطل بقرونها . . وفي كثير من المجتمعات اليوم تعود تلك التصورات إلى الظهور . فالأنثى لا يرحب بمولدها كثير من الأوساط وكثير من الناس , ولا تعامل معاملة الذكر من العناية والاحترام . وهذه وثنية جاهلية في إحدى صورها , نشأت من الانحراف الذي أصاب العقيدة الإسلامية .
ومن عجب أن ينعق الناعقون بلمز العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية - في مسألة المرأة - , نتيجة لما يرونه في هذه المجتمعات المنحرفة ولا يكلف هؤلاء الناعقون اللامزون أنفسهم وأن يراجعوا نظرة الإسلام , وما أحدثته من ثورة في التطورات والأوضاع . وفي المشاعر والضمائر . وهي بعد نظرة علوية لم تنشئها ضرورة واقعية ولا دعوة أرضية ولا مقتضيات اجتماعية أو اقتصادية . إنما أنشأتها العقيدة الإلهية الصادرة عن الله الذي كرم الإنسان , فاستتبع تكريمه للجنس البشري تكريمه للأنثى , ووصفها بأنها شطر النفس البشرية , فلا تفاضل بين الشطرين الكريمين على الله .