الجاهلية . هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب . وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى . . كانوا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء . فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال ! من طريق عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:لما نزلت: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما). . الآية . . انطلق من كان عنده يتيم , فعزل طعامه من طعامه , وشرابه من شرابه , فجعل يفضل الشيء , فيحبس له , حتى يأكله أو يفسد . فاشتد ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول الله [ ص ] فأنزل الله: (ويسألونك عن اليتامى . قل:إصلاح لهم خير , وإن تخالطوهم فإخوانكم . والله يعلم المفسد من المصلح , ولو شاء الله لأعنتكم . .)الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم , وشرابهم بشرابهم . .
وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر , إلى ذلك الأفق الوضيء ; وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب . .
الدرس الرابع:11 - 12 أنصبة ومقادير الميراث
والأن نجيء إلى نظام التوارث . حيث يبدأ بوصية الله للوالدين في أولادهم ; فتدل هذه الوصية على أنه - سبحانه - أرحم وأبر وأعدل من الوالدين مع أولادهم ; كما تدل على أن هذا النظام كله مرده إلى الله سبحانه ; فهو الذي يحكم بين الوالدين وأولادهم , وبين الأقرباء وأقاربهم . وليس لهم إلا أن يتلقوا منه سبحانه , وأن ينفذوا وصيته وحكمه . . وأن هذا هو معنى "الدين" الذي تعنى السورة كلها ببيانه وتحديده كما أسلفنا . . كذلك يبدأ بتقرير المبدأ العام للتوارث: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين). . ثم يأخذ في التفريع , وتوزيع الأنصبة , في ظل تلك الحقيقة الكلية , وفي ظل هذا المبدأ العام . . ويستغرق هذا التفصيل آيتين:أولاهما خاصة بالورثة من الأصول والفروع , والثانية خاصة بحالات الزوجية والكلالة . ثم تجيء بقية أحكام الوراثة في آخر آية في السورة استكمالا لبعض حالات الكلالة [ وسنعرضها في موضعها ]:
(يوصيكم الله في أولادكم:للذكر مثل حظ الأنثيين . فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك . وإن كانت واحدة فلها النصف . ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك - إن كان له ولد - فإن لم يكن له ولد , وورثه أبواه , فلأمه الثلث . فإن كان له إخوة فلأمه السدس - من بعد وصية يوصي بها أو دين - آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا . فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما . . ولكم نصف ما ترك أزواجكم - إن لم يكن لهن ولد - فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن - من بعد وصية يوصين بها أو دين - ولهن الربع مما تركتم - إن لم يكن لكم ولد - فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم - من بعد وصية توصون بها أو دين - وإن كان رجل يورث كلالة , أو امرأة , وله أخ أو أخت , فلكل واحد منهما السدس . فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث - من بعد وصية يوصى بها أو دين - غير مضار , وصية من الله , والله عليم حليم). .
هاتان الآيتان , مضافا إليهما الآية الثالثة التي في نهاية السورة , ونصها:(يستفتونك . قل:الله يفتيكم في الكلالة:إن امرؤ هلك ليس له ولد , وله أخت , فلها نصف ما ترك . وهو يرثها - إن لم يكن لها ولد - فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك . وإن كانوا إخوة رجالا ونساء , فللذكر مثل حظ الأنثيين . يبين الله لكم أن تضلوا , والله بكل شيء عليم). .