الأجل لا يستقدم ولا يستأخر . غير أن النفس البشرية لها تصوراتها ولها تأثراتها بالملابسات الظاهرة . . والمنهج يراعي هذا ويعالجه . فيعطي ضمانة الله بوقوع الأجر على الله منذ الخطوة الأولى من البيت في الهجرة إلى الله ورسوله:
(ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله). .
أجره كله . أجر الهجرة والرحلة والوصول إلى دار الإسلام والحياة في دار الإسلام . . فماذا بعد ضمان الله من ضمان ?
ومع ضمانة الأجر التلويح بالمغفرة للذنوب والرحمة في الحساب . وهذا فوق الصفقة الأولى .
وكان الله غفورا رحيمًا .
إنها صفقة رابحة دون شك . يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى - خطوة الخروج من البيت مهاجرا إلى الله ورسوله - والموت هو الموت . في موعده الذي لا يتأخر . والذي لا علاقة له بهجرة أو إقامة . ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده . ولخسر الصفقة الرابحة . فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة . بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالما لنفسه !
وشتان بين صفقة وصفقة ! وشتان بين مصير ومصير !
ويخلص لنا من هذه الآيات التي استعرضناها من هذا الدرس - إلى هذا الموضع - عدة اعتبارات , نجملها قبل أن نعبر إلى بقية الدرس وبقية ما فيه من موضوعات .
يخلص لنا منها مدى كراهية الإسلام للقعود عن الجهاد في سبيل الله ; والقعود عن الانضمام للصف المسلم المجاهد . . اللهم إلا من عذرهم الله من أولي الضرر , ومن العاجزين عن الهجرة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . .
الدرس الرابع:101 قصر الصلاة عند السفر أو الخوف
ويخلص لنا منها مدى عمق عنصر الجهاد وأصالته في العقيدة الإسلامية , وفي النظام الإسلامي , وفي المقتضيات الواقعية لهذا المنهج الرباني . . وقد عدته الشيعة ركنا من أركان الإسلام - ولهم من قوة النصوص ومن قوة الواقع ما يفسر اتجاههم هذا . لولا ما ورد في حديث:" بني الإسلام على خمس . . . " ولكن قوة التكليف بالجهاد ; وأصالة هذا العنصر في خطر الحياة الإسلامية ; وبروز ضرورته في كل وقت وفي كل أرض - الضرورة التي تستند إلى مقتضيات فطرية لا ملابسات زمنية - كلها تؤيد هذا الشعور العميق بجدية هذا العنصر وأصالته .
ويخلص لنا كذلك أن النفس البشرية هي النفس البشرية ; وأنها قد تحجم أمام الصعاب , أو تخاف أمام المخاطر , وتكسل أمام العقبات , في خير الأزمنة وخير المجتمعات . وأن منهج العلاج في هذه الحالة , ليس هو اليأس من هذه النفوس . ولكن استجاشتها , وتشجيعها , وتحذيرها , وطمأنتها في آن واحد . وفق هذا المنهج القرآني الرباني الحكيم .
وأخيرا يخلص لنا كيف كان هذا القرآن يواجه واقع الحياة ; ويقود المجتمع المسلم ; ويخوض المعركة - في كل ميادينها - وأول هذه الميادين هو ميدان النفس البشرية ; وطبائعها الفطرية , ورواسبها كذلك من الجاهلية . وكيف ينبغي أن نقرأ القرآن , ونتعامل معه ونحن نواجه واقع الحياة والنفس بالدعوة إلى الله .