( الدرس الأول:ذم السارق والنهي عن الدفاع عنه إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق , لتحكم بين الناس بما أراك الله , ولا تكن للخائنين خصيما . واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم , إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما . يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله . وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - وكان الله بما يعملون محيطا . ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا , فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ? أم من يكون عليهم وكيلا ?).
إننا نحس في التعبير صرامة , يفوح منها الغضب للحق , والغيرة على العدل ; وتشيع في جو الآيات وتفيض منها:
وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله [ ص ] بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله . وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيما للخائنين , يدافع عنهم ويجادل . وتوجيهه لاستغفار الله - سبحانه - عن هذه المجادلة .
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله . ولا تكن للخائنين خصيما . واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيمًا . .
ثم تكرار هذا النهي ; ووصف هؤلاء الخائنين , الذين جادل عنهم [ ص ] بأنهم يختانون أنفسهم . وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا:
ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم . إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا .
وهم خانوا غيرهم في الظاهر . ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم . فقد خانوا الجماعة ومنهجها , ومبادئها التي تميزها وتفردها . وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها , وهم منها . . ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى . صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء . حيث يكرههم الله , ويعاقبهم بما أثموا . وهي خيانة للنفس من غير شك . . وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم , هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة .
إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا . .
وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة . . وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر . فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد , ولا أن يحامي عنهم أحد . وقد كرههم الله للإثم والخيانة !
ويعقب الوصف بالإثم والخيانة تصوير منفر لسلوك هؤلاء الخونة الآثمين:
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله - وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول . . .
وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية . زرية بما فيها من ضعف والتواء , وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ; ويستخفون بها عن الناس . والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا . بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون ; مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون . وهم يزورون من القول مالا يرضاه ! فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف ?
(وكان الله بما يعملون محيطًا . . .
إجمالا وإطلاقا . . فأين يذهبون بما يبيتون . والله معهم إذ يبيتون . والله بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته ?
وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب ; على كل من جادل عن الخائنين: