في أمرها وفق ما تراه . وفي الوقت الذي يتعامل المنهج الإسلامي مع طبيعة الشح هذه , لا يقف عندها باعتبارها كل جوانب النفس البشرية . بل هو يهتف لها هتافا آخر , ويعزف لها نغمة أخرى:
وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا .
فالإحسان والتقوى هما مناط الأمر في النهاية . ولن يضيع منهما شيء على صاحبة , فإن الله خبير بما تعمله كل نفس ; خبير ببواعثه وكوامنه . . والهتاف للنفس المؤمنة بالإحسان والتقوى , والنداء لها باسم الله الخبير بما تعمل , هتاف مؤثر , ونداء مستجاب . . بل هو وحده الهتاف المؤثر والنداء المستجاب .
ومرة أخرى نجدنا أمام المنهج الفريد , وهو يواجه واقع النفس البشرية وملابسات الحياة البشرية , بالواقعية المثالية , أو المثالية الواقعية , ويعترف بما هو كامن في تركيبها من ازدواج عجيب فريد:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة . وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما . وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيمًا .
إن الله الذي فطر النفس البشرية , يعلم من فطرتها أنها ذات ميول لا تملكها . ومن ثم أعطاها لهذه الميول خطاما . خطاما لينظم حركتها فقط , لا ليعدمها ويقتلها !
من هذه الميول أن يميل القلب البشري إلى إحدى الزوجات ويؤثرها على الأخريات . فيكون ميله إليها أكثر من الأخرى أو الأخريات . وهذا ميل لا حيلة له فيه ; ولا يملك محوه أو قتله . . فماذا ? إن الإسلام لا يحاسبه على أمر لا يملكه ; ولا يجعل هذا إثما يعاقبه عليه ; فيدعه موزعا بين ميل لا يملكه وأمر لا يطيقه ! بل إنه يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء - ولو حرصوا - لأن الأمر خارج عن إرادتهم . . ولكن هنالك ما هو داخل في إرادتهم . هناك العدل في المعاملة . العدل في القسمة . العدل في النفقة . العدل في الحقوق الزوجية كلها , حتى الابتسامة في الوجه , والكلمة الطيبة باللسان . . وهذا ما هم مطالبون به . هذا هو الخطام الذي يقود ذلك الميل . لينظمه لا ليقتله !
(فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة). .
فهذا هو المنهي عنه . الميل في المعاملة الظاهرة , والميل الذي يحرم الأخرى حقوقها فلا تكون زوجة ولا تكون مطلقة . . ومعه الهتاف المؤثر العميق في النفوس المؤمنة ; والتجاوز عما ليس في طاقة الإنسان .
وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيمًا .
ولأن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بجملة ما فيها من مزاج فريد مؤلف من القبضة من الطين والنفخة من روح الله . وبجملة ما فيها من استعدادات وطاقات . وبواقعيتها المثالية , أو مثاليتها الواقعية , التي تضع قدميها على الأرض , وترف بروحها إلى السماء , دون تناقض ودون انفصام .
لأن الإسلام كذلك . . كان نبي الإسلام [ ص ] هو الصورة الكاملة للإنسانية حين تبلغ أوجها من الكمال ; فتنمو فيها جميع الخصائص والطاقات نموا متوازنا متكاملا في حدود فطرة الإنسان .
وكان هذا الرسول [ ص ] وهو يقسم بين نسائه فيما يملك , ويعدل في هذه القسمة , لا ينكر أنه يؤثر بعضهن على بعض . وأن هذا خارج عما يملك . فكان يقول:" اللهم هذا قسمي فيما أملك . فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب " [ أخرجه أبو داود ] . .