في هذا المجتمع فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالبا . وكثيرا ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء , ولكنهم يتحرجون منه , أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه , فلا تحرج إذن ولا تقيه , وهم ليسوا بأول من يفعل ! وكثيرا ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة , فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة ; حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره , خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه ; وسهل على النفوس أن تسمع - بل أن ترى - ولا تثور للتغيير على المنكر . ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم - وقد يكونون منه أبرياء - ولكن قالة السوء حين تنتشر ; وحين يصبح الجهر بها هينا مألوفا , فإن البريء قد يتقول عليه مع المسيء ; ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام ; ويسقط الحياء النفسي والجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح ; والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء .
إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية - سبا وقذفا - وينتهى انحلالا اجتماعيا ; وفوضى أخلاقية ; تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادا وجماعات ; وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض ; وقد شاعت الاتهامات ; ولاكتها الألسنة بلا تحرج .
لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء . وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم ; يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم ; في حدود ما وقع عليه منه من الظلم !
(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول - إلا من ظلم -). .
ففي هذه الحالة يكون الوصف بالسوء - ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف - انتصارا من ظلم , ودفعا لعدوان , وردا لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته ; وتشهيرا بالظلم والظالم في المجتمع ; لينتصف المجتمع للمظلوم ; وليضرب على يد الظالم ; وليخشى الظالم عاقبة فعله , فيتردد في تكراره . . والجهر بالسوء عندئذ يكون محدد المصدر - من الشخص الذي وقع عليه الظلم - محدد السبب - فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم - موجها إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم . . عندئذ يكون الخير الذي يتحقق بهذا الجهر مبررا له ; ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير . .
إن الإسلام يحمي سمعة الناس - ما لم يظلموا - فإذا ظلموا لم يستحقوا هذه الحماية ; وأذن للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه ; وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء .
وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم , وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشا للحياء النفسي والاجتماعي . .
ويعقب السياق القرآني على ذلك البيان هذا التعقيب الموحي:
وكان الله سميعا عليمًا . .
ليربط الأمر في النهاية بالله , بعد ما ربطه في البداية بحب الله وكرهه: (لا يحب الله الجهر بالسوء . .). وليشعر القلب البشري أن مرد تقدير النية والباعث , وتقدير القول والاتهام , لله , السميع لما يقال , العليم بما وراءه مما تنظوي عليه الصدور .
ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء ; إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة ; ويوجه إلى العفو عن السوء ; ويلوح بصفة الله سبحانه في العفو وهو قادر على الأخذ , ليتخلق المؤمنون