(لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك , وما أنزل من قبلك . والمقيمين الصلاة , والمؤتون الزكاة , والمؤمنون بالله واليوم الآخر , أولئك سنؤتيهم أجرا عظيمًا). . فالعلم الراسخ , والإيمان المنير , كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله . كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند الله الواحد .
وذكر العلم الراسخ بوصفه طريقا إلى المعرفة الصحيحة كالإيمان الذي يفتح القلب للنور , لفتة من اللفتات القرآنية التي تصور واقع الحال التي كانت يومذاك ; كما تصور واقع النفس البشرية في كل حين . فالعلم السطحي كالكفر الجاحد , هما اللذان يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة . . ونحن نشهد هذا في كل زمان . فالذين يتعمقون في العلم , ويأخذون منه بنصيب حقيقي , يجدون أنفسهم أمام دلائل الإيمان الكونية ; أو على الأقل أمام علامات استفهام كونية كثيرة , لا يجيب عليها إلا الاعتقاد بأن لهذا الكون إلها واحدا مسيطرا مدبرا متصرفا , وذا إرادة واحدة , وضعت ذلك الناموس الواحد . . وكذلك الذين تتشوق قلوبهم للهدى - المؤمنون - يفتح الله عليهم , وتتصل أرواحهم بالهدى . . أما الذين يتناوشون المعلومات ويحسبون أنفسهم علماء , فهم الذين تحول قشور العلم بينهم وبين إدراك دلائل الإيمان , أو لا تبرز لهم - بسبب علمهم الناقص السطحي - علامات الاستفهام . وشأنهم شأن من لا تهفو قلوبهم للهدى ولا تشتاق . . وكلاهما هو الذي لا يجد في نفسه حاجة للبحث عن طمأنينة الإيمان , أو يجعل التدين عصبية جاهلية فيفرق بين الأديان الصحيحة التي جاءت من عند ديان واحد , على أيدي موكب واحد متصل من الرسل , صلوات الله عليهم أجمعين .
وقد ورد في التفسير المأثور أن هذه الإشارة القرآنية تعني - أول من تعني - أولئك النفر من اليهود , الذين استجابوا للرسول [ ص ] وذكرنا أسماءهم من قبل , ولكن النص عام ينطبق على كل من يهتدي منهم لهذا الدين , يقوده العلم الراسخ أو الإيمان البصير . .
ويضم السياق القرآني هؤلاء وهؤلاء إلى موكب المؤمنين , الذين تعينهم صفاتهم:
(والمقيمين الصلاة , والمؤتون الزكاة , والمؤمنون بالله واليوم الآخر).
وهي صفات المسلمين التي تميزهم:إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة , والإيمان بالله واليوم الآخر . . وجزاء الجميع ما يقرره الله لهم .
أولئك سنؤتيهم أجرا عظيمًا . .
ونلاحظ أن (المقيمين الصلاة)تأخذ إعرابا غير سائر ما عطفت عليه . وقد يكون ذلك لإبراز قيمة إقامة الصلاة في هذا الموضع على معنى - وأخص المقيمين الصلاة - ولها نظائر في الأساليب العربية وفي القرآن الكريم , لإبراز معنى خاص في السياق له مناسبة خاصة . وهي هكذا في سائر المصاحف وإن كانت قد وردت مرفوعة: والمقيمون الصلاة في مصحف عبدالله بن مسعود .
الدرس الرابع:163 - 165 حكمة الله من إرسال الرسل وذكر بعضهم
ويستطرد السياق في مواجهة أهل الكتاب - واليهود منهم في هذا الموضع خاصة - وموقفهم من رسالة محمد [ ص ] وزعمهم أن الله لم يرسله , وتفريقهم بين الرسل , وتعنتهم وهم يطلبون أمارة