وتشرد بعيدا عن أيدي السلطات الرومانية ! وما تزال فكرة "التثليث" تصدم عقول المثقفين من النصارى , فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق , ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض !
يقول القس بوطر صاحب رسالة:"الأصول والفروع" أحد شراح العقيدة النصرانية , في هذه القضية:
"قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا . ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل , حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض" .
ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية . وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية . فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الورادة في سياق هذه السورة , لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد !
الدرس الأول 171 دعوة النصارى للإيمان والتخلي عن التثليث
(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم , ولا تقولوا على الله إلا الحق . إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله , وكلمته ألقاها إلى مريم , وروح منه . فآمنوا بالله ورسله , ولا تقولوا ثلاثة . انتهوا خيرا لكم . إنما الله إله واحد . سبحانه أن يكون له ولد . له ما في السماوات وما في الأرض , وكفى بالله وكيلاً). .
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق , هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق ; فيزعموا له ولدا - سبحانه - كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة . .
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة , وفكرة التثليث , حسب رقي التفكير وانحطاطه . ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله , والذي تزيده الثقافة العقلية , أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر . ولكن عن "المحبة " بين الآب والابن . وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة . . بأنها "صفات" لله سبحانه في "حالات" مختلفة . . وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري . فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض .
والله - سبحانه - تعالى عن الشركة ; وتعالى عن المشابهة . ومقتضى كونه خالقا يستتبع . . بذاته . . أن يكون غير الخلق . . وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق . والمالك والملك . . وإلى هذا يشير النصر القرآني:
(إنما الله إله واحد . سبحانه ! أن يكون له ولد ? له ما في السماوات وما في الأرض . .)
وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيبا في عرف البشر , خارقا لما ألفوه , فهذا العجب إنما تنششه مخالفة المألوف . والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود . والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله . والله يخلق السنة ويجريها , ويصرفها حسب مشيئته . ولا حد لمشيئته .
والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح:
(إنما المسيح عيسى ابن مريم , رسول الله , وكلمته ألقاها إلى مريم , وروح منه . .
فهو على وجه القصد والتحديد: (رسول الله). .