إن الله - سبحانه - لا يطارد عباده الضعاف , ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا . وهو - سبحانه - غني عنهم , وما تنفعه توبتهم , ولكن تنفعهم هم أنفسهم , وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه . ومن ثم يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين متطهرين .
(وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال:إني تبت الآن).
فهذه التوبة هي توبة المضطر , لجت به الغواية , وأحاطت به الخطيئة . توبة الذي يتوب لأنه لم يعد لديه متسع لارتكاب الذنوب , ولا فسحة لمقارفة الخطيئة . وهذه لا يقبلها الله , لأنها لا تنشىء صلاحا في القلب ولا صلاحا في الحياة , ولا تدل على تبدل في الطبع ولا تغير في الاتجاه .
والتوبة إنما تقبل لأنها الباب المفتوح الذي يلجه الشاردون إلى الحمى الأمن , فيستردون أنفسهم من تيه الضلال , وتستردهم البشرية من القطيع الضال تحت راية الشيطان , ليعملوا عملا صالحا - إن قدر الله لهم امتداد العمر بعد المتاب - أو ليعلنوا - على الأقل - انتصار الهداية على الغواية . إن كان الأجل المحدود ينتظرهم , من حيث لا يشعرون أنه لهم بالوصيد . .
(ولا الذين يموتون وهم كفار). .
وهؤلاء قد قطعوا كل ما بينهم وبين التوبة من وشيجة , وضيعوا كل ما بينهم وبين المغفرة من فرصة . . (أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما).
اعتدناه:أي أعددناه وهيأناه . . فهو حاضر في الانتظار لا يحتاج إلى إعداد أو إحضار !
وهكذا يشتد المنهج الرباني في العقوبة , ولكنه في الوقت ذاته يفتح الباب على مصراعيه للتوبة . فيتم التوازن في هذا المنهج الرباني الفريد , وينشىء آثاره في الحياة كما لا يملك منهج آخر أن يفعل في القديم والجديد . .
الدرس الثالث:19 - 22 توجيهات وتشريعات لإنصاف المرأة ورفع الظلم عنها
والموضوع الثاني في هذا الدرس هو موضوع المرأة . .
ولقد كانت الجاهلية العربية - كما كانت سائر الجاهليات من حولهم - تعامل المرأة معاملة سيئة . . لا تعرف لها حقوقها الإنسانية , فتنزل بها عن منزلة الرجل نزولا شنيعا , يدعها أشبه بالسلعة منها بالإنسان . وذلك في الوقت الذي تتخذ منها تسلية ومتعة بهيمية , وتطلقها فتنة للنفوس , وإغراء للغرائز , ومادة للتشهي والغزل العاري المكشوف . . فجاء الإسلام ليرفع عنها هذا كله , ويردها إلى مكانها الطبيعي في كيان الأسرة وإلى دورها الجدي في نظام الجماعة البشرية . المكان الذي يتفق مع المبدأ العام الذي قرره في مفتتح هذه السورة: (الذي خلقكم من نفس واحدة , وخلق منها زوجها , وبث منهما رجالا كثيرا ونساء). . ثم ليرفع مستوى المشاعر الإنسانية في الحياة الزوجية من المستوى الحيواني الهابط إلى المستوى الإنساني الرفيع , ويظللها بظلال الاحترام والمودة والتعاطف والتجمل ; وليوثق الروابط والوشائج , فلا تنقطع عند الصدمة الأولى , وعند الانفعال الأول:
(يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها , ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة - وعاشروهن بالمعروف , فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا , ويجعل الله فيه خيرا كثيرا . وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج , وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ? وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض , وأخذن منكم ميثاقا غليظا ? ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا). .