إفضاء . وفي كل التقاء في وليد إفضاء . . كل هذا الحشد من التصورات والظلال والانداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب: (وقد أفضى بعضكم إلى بعض). . فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير , ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع , وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي , وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف !
ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملا آخر , من لون آخر:
(وأخذن منكم ميثاقا غليظا). .
هو ميثاق النكاح , باسم الله , وعلى سنة الله . . وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلب مؤمن ; وهو يخاطب الذين آمنوا , ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ .
وفي نهاية هذه الفقرة يحرم تحريما باتا - مع التفظيع والتبشيع - أن ينكح الأبناء ما نكح آباؤهم من النساء . وقد كان ذلك في الجاهلية حلالا . وكان سببا من أسباب عضل النساء أحيانا , حتى يكبر الصبي فيتزوج امرأة أبيه , أو إن كان كبيرا تزوجها بالوراثة كما يورث الشيء ! فجاء الإسلام يحرم هذا الأمر أشد التحريم:
(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا). .
ويبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات - وإن كنا نحن البشر لا نحيط بكل حكمة التشريع , ولا يتوقف خضوعنا له , وتسليمنا به , ورضاؤنا إياه على إدراكنا أو عدم إدراكنا لهذه الحكمة , فحسبنا أن الله قد شرعه , لنستيقن أن وراءه حكمة , وأن فيه المصلحة .
نقول:يبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات:الأول أن امرأة الأب في مكان الأم . والثاني:ألا يخلف الابن أباه ; فيصبح في خياله ندا له . وكثيرا ما يكره الزوج زوج امرأته الأول فطرة وطبعا , فيكره أباه ويمقته ! والثالث:ألا تكون هناك شبهة الإرث لزوجة الأب . الأمر الذي كان سائدا في الجاهلية . وهو معنى كريه يهبط بإنسانية المرأة والرجل سواء . وهما من نفس واحد , ومهانة أحدهما مهانة للآخر بلا مراء .
لهذه الاعتبارات الظاهرة - ولغيرها مما يكون لم يتبين لنا - جعل هذا العمل شنيعا غاية الشناعة . . جعله فاحشة . وجعله مقتا:أي بغضا وكراهية . وجعله سبيلا سيئا . . إلا ما كان قد سلف منه في الجاهلية , قبل أن يرد في الإسلام تحريمه . فهو معفو عنه . متروك أمره لله سبحانه . .
الدرس الرابع:23 بيان المحرمات من النساء
والفقرة الثالثة في هذا الدرس , تتناول سائر أنواع المحرمات من النساء . وهي خطوة في تنظيم الأسرة , وفي تنظيم المجتمع على السواء:
(حرمت عليكم أمهاتكم , وبناتكم , وأخواتكم , وعماتكم , وخالاتكم , وبنات الأخ , وبنات الأخت , وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم , وأخواتكم من الرضاعة , وأمهات نسائكم , وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم - وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم , وأن تجمعوا بين الأختين - إلا ما قد سلف - إن الله كان غفورا رحيما) . (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم - كتاب الله عليكم - وأحل لكم ما وراء ذلكم . . .). .
والمحارم - أي اللواتي يحرم الزواج منهن - معروفة في جميع الأمم , البدائية والمترقية على السواء . وقد