جلودا غيرها). . ويجمل الهول الرهيب المفزع العنيف كله في جملة شرطية واحدة لا تزيد ! ذلك جزاء الكفر - وقد تهيأت أسباب الإيمان - وهو مقصود . وهو جزاء وفاق:
(ليذوقوا العذاب). .
ذلك , أن الله قادر على الجزاء . حكيم في توقيعة:
إن الله كان عزيزا حكيمًا . .
وفي مقابل هذا السعير المتأجج . وفي مقابل الجلود الناضجة المشوية المعذبة . . كلما نضجت بدلت . ليعود الاحتراق من جديد . ويعود الألم من جديد . في مقابل هذا المشهد المكروب الملهوف . . نجد (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)في جنات ندية:
(تجري من تحتها الأنهار):
ونجد في المشهد ثباتا وخلودا مطمئنا أكيدا:
خالدين فيها أبدًا
ونجد في الجنات والخلد الدائم أزواجا مطهرة:
لهم فيها أزواج مطهرة . .
ونجد روح الظلال الندية ; يرف على مشهد النعيم:
(وندخلهم ظلا ظليلا). .
تقابل كامل في الجزاء . وفي المشاهد . وفي الصور . وفي الإيقاع . . على طريقة القرآن في "مشاهد القيامة " ذات الإيحاء القوي النافذ العميق .
الوحدة السادسة:58 - 70 الموضوع:نظام الأمة الأساسي وشرط الإيمان وحد الإسلام
في ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني . . حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية . . في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية:يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد . . أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة ! كانت "إخراجًا" من صنع الله ; كتعبير القرآن الدقيق . . وكانت أعجب نشأة ; وأغرب إخراج . . فيهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب ! و"تخرج" فيها حياة من خلال الكلمات !
ولكن لا عجب . . فهذه الكلمات . . كلمات الله . .
ومن أراد المجادلة والمماحلة , فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن "يخرجهًا" الله بكلماته ; وقيل أن ينشئها الله بقرآنه ?
إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية ! ولكن أين كانت في الوجود "الإنساني" ? أين كانت في سجل الحضارة البشرية ? أين كانت في التاريخ العالمي ? أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية ? وماذا كانت تقدم على هذه المائدة , فيعرف باسمها ويحمل طابعها ?
لقد "نشأت" هذه الأمة نشأتها بهذا الدين ; ونشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم ; وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب الله الذي في يدها , وبمنهجه الذي طبع حياتها . . لا بشيء آخر . . وأمامنا التاريخ ! وقد صدقها الله وعده وهو يقول للعرب:(لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم . . أفلا تعقلون)?
فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض ; وكان لها دورها في التاريخ ; وكان لها "وجود إنساني" ابتداء , وحضارة عالمية ثانيا . . ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة الله هذه على الأمة العربية ; ويجحدوا فضل الله في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم . . ومن ثم جعل لهم وجودا وذكرا وتاريخا وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم الله إياه ; وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد . . بل إلى الوجود يوم أخرج الله منهم الأمة المسلمة !
نقول . . إن القرآن حين كان "ينشى ء" هذه الأمة و"ينشئها" . . ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة , في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها . . وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد . .
وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ; في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ; وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان !
حين كان القرآن يصنع ذلك كله . . كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح , ببيان شرط الإيمان وحد الإسلام ; ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي , الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ; ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس , لتبين للناس , وتقودهم إلى الله . . نظامها الرباني . .
وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي , قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحد الإسلام !
إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ; والطريقة التي تتلقى بها ; والمنهج الذي