ويتبين السفه والرشد - بعد البلوغ - وأمر السفه والرشد لا يخفى عادة , ولا يحتاج إلى تحديد مفهومة بالنصوص . فالبيئة تعرف الراشد من السفيه وتأنس رشد هذا وسفه ذاك , وتصرفات كل منهما لا تخفى على الجماعة ; فالاختبار يكون لمعرفة البلوغ , الذي يعبر عنه النص بكلمة:"النكاح" وهو الوظيفة التي يؤهل لها البلوغ:
(وابتلوا اليتامى , حتى إذا بلغوا النكاح , فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم , ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا . ومن كان غنيا فليستعفف , ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم , وكفى بالله حسيبا). .
ويبدو من خلال النص الدقة في الإجراءات التي يتسلم بها اليتامى أموالهم عند الرشد . كذلك يبدو التشديد في وجوب المسارعة بتسليم أموال اليتامى إليهم , بمجرد تبين الرشد - بعد البلوغ - وتسليمها لهم كاملة سالمة , والمحافظة عليها في أثناء القيام عليها , وعدم المبادرة إلى أكلها بالإسراف قبل أن يكبر أصحابها فيتسلموها ! مع الاستعفاف عن أكل شيء منها مقابل القيام عليها - إذا كان الولي غنيا - والأكل منها في أضيق الحدود - إذا كان الولي محتاجا - ومع وجوب الأشهاد في محضر التسليم . . وختام الآية:التذكير بشهادة الله وحسابه: (وكفى بالله حسيبا). .
كل هذا التشديد , وكل هذا البيان المفصل , وكل هذا التذكير والتحذير . . يشي بما كان سائدا في البيئة من الجور على أموال اليتامى الضعاف في المجتمع وبما كان يحتاج إليه تغيير هذا العرف السائد من تشديد وتوكيد , ومن بيان وتفصيل , لا يدع مجالا للتلاعب عن أي طريق . .
وهكذا كان المنهج الرباني ينسخ معالم الجاهلية في النقوس والمجتمعات , ويثبت معالم الإسلام ; ويمحو سمات الجاهلية في وجه المجتمع , ويثبت ملامح الإسلام . وهكذا كان يصوغ المجتمع الجديد ومشاعره وتقاليده , وشرائعه وقوانينه , في ظلال تقوى الله ورقابته , ويجعلها الضمان الأخير لتنفيذ التشريع . ولا ضمان لأي تشريع في الأرض بغير هذه التقوى وبدون هذه الرقابة: (وكفى بالله حسيبا). .
الدرس الثالث:7 - 10 توجيهات في التوريث والوصية والتوزيع
ولقد كانوا في الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصبية - في الغالب - إلا التافه القليل . لأن هؤلاء وهؤلاء لا يركبون فرسا , ولا يردون عاديا ! فإذا شريعة الله تجعل الميراث - في أصله - حقا لذوي القربى جميعا - حسب مراتبهم وأنصبتهم المبينة فيما بعد - وذلك تمشيا مع نظرية الإسلام في التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة , وفي التكافل الإنساني العام . وحسب قاعدة:الغنم بالغرم . . فالقريب مكلف إعالة قريبه إذا احتاج , والتضامن معه في دفع الديات عند القتل والتعويضات عند الجرح , فعدل إذن أن يرثه - إن ترك مالا - بحسب درجة قرابته وتكليفه به . والإسلام نظام متكامل متناسق . ويبدو تكامله وتناسقه واضحا في توزيع الحقوق والواجبات . .
هذه هي القاعدة في الإرث بصفة عامة . . وقد نسمع هنا وهناك لغطا حول مبدأ الإرث , لا يثيره إلا التطاول على الله - سبحانه - مع الجهل بطبيعة الإنسان , وملابسات حياته الواقعية !
إن إدراك الأسس التي يقوم عليها النظام الاجتماعي الإسلامي , يضع حدا لهذا اللغط على الإطلاق . .
إن قاعدة هذا النظام هي التكافل . . ولكي يقوم هذا التكافل على أسس وطيدة راعى الإسلام أن يقوم على أساس الميول الفطرية الثابتة في النفس البشرية . هذه الميول التي لم يخلقها الله عبثا في الفطرة , إنما خلقها لتؤدي دورا أساسيا في حياة الإنسان .