|
في ظلال القرآن
الكريم
النساء من الاية 66 الى الاية 68 وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهöمْ أَنö اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوö اخْرُجُواْ مöن دöيَارöكُم مَّا فَعَلُوهُ إöلاَّ قَلöيلñ مّöنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بöهö لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبöيتاً (66) وَإöذاً لَّآتَيْنَاهُم مّöن لَّدُنَِّا أَجْراً عَظöيماً (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صöرَاطاً مُّسْتَقöيماً (68)
من حقائق الإسلام ; جاءت في صورة قسم مؤكد ; مطلقة من كل قيد . . وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله [ ص ] هو تحكيم شخصه . إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه . وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته [ ص ] وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبى بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين . بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير . وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله , في حكم الزكاة ; وعدم قبول حكم رسول الله فيها , بعد الوفاة ! وإذا كان يكفي لإثبات "الإسلام" أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله . . فانه لا يكفي في "الإيمان" هذا , ما لم يصحبه الرضى النفسي , والقبول القلبي , وإسلام القلب والجنان , في اطمئنان ! هذا هو الإسلام . . وهذا هو الإيمان . . فلتنظر نفس أين هي من الإسلام ; وأين هي من الإيمان ! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان ! الدرس الرابع:66 - 68 يسر التكاليف الشرعية وثواب الملتزم بها وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله [ ص ] وقبل الرضى والتسليم بقضائه , يعود ليقول:إن هذا المنهج الذي يدعون إليه ; وهذه الشريعة التي يقال لهم:تحاكموا إليها - لا لسواها - وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به . . . إنه منهج ميسر , وشريعة سمحة , وقضاء رحيم . . إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم ; ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم ; ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم . . فالله يعلم ضعف الإنسان ; ويرحم هذا الضعف . والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة , ما أداها إلا قليل منهم . . وهو لا يريد لهم العنت , ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية . . ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق , وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية . ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم ; واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها ; لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة ; ولأعانهم الله بالهدى , كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة , في حدود الطاقة: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم , أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه - إلا قليل منهم - ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به , لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ; وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ; ولهديناهم صراطا مستقيمًا . . إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية . إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة , التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر . وهذا الدين لم يجيء لهذه القلة القليلة . إنه جاء للناس جميعا . والناس معادن , وألوان , وطبقات . من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف . وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه , وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها . وقتل النفس , والخروج من الديار . . مثلان للتكاليف الشاقة , التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم . وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ; وأن ينكل عنها عامة الناس . بل المراد أن يؤديها الجميع , وأن يقدر عليها الجميع , وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية ; وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس , وطبقات الهمم , وطبقات الاستعدادات ; وأن ينميها جميعا ويرقيها , في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض ! قال ابن جريج:حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر , عن إسماعيل , عن أبى إسحاق السبيعي قال:لما نزلت: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم). . . الآية:قال رجل:لو أمرنا لفعلنا , والحمد لله الذي عافانا . . فبلغ ذلك النبي [ ص ] فقال:" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " . وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت . عن عمه عامر بن عبدالله بن الزبير . قال:لما نزلت (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم)قال رسول الله [ ص ]:" لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " . وفي رواية له - بإسناده - عن شريح بن عبيد:قال:لما تلا رسول الله [ ص ] هذه الآية: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم . . .)الآية , أشار رسول الله [ ص ] بيده إلى عبدالله ابن رواحة , فقال:" لو أن الله كتب هذا , لكان هذا من أولئك القليل ": وكان رسول الله [ ص ] يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ; ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه ! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول [ ص ] بكل واحد من رجاله ; وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه . . خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله . . في دقة عجيبة . . لم تدرس بعد الدراسة الواجبة . وليس هذا موضوعنا . ولكن موضوعنا أن رسول الله [ ص ] كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم . ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجيء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها . وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا "الإنسان" الذي خلقه ; وحدود طاقته ; فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين , إلا ما هو ميسر للجميع ; حين تصح العزيمة , وتعتدل الفطرة , وينوي العبد الطاعة , ولا يستهتر ولا يستهين . وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ; في مواجهة الدعوات الهدامة ; التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية , والتلبط في الوحل كالدود ! بحجة أن هذا هو "واقع" الإنسان , وطبيعته وفطرته وحدود طاقته ! وأن الدين دعوة "مثالية " لم تجيء لتحقق في واقع الأرض ; وإذا نهض بتكاليفها فرد , فإن مائة لا يطيقون ! هذه دعوى كاذبة أولا ; وخادعة ثانيا ; وجاهلة ثالثا . . لأنها لا تفهم "الإنسان" ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه , الذي فرض عليه تكاليف الدين ; وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي . لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين ! وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية . والبدء في الطريق . وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا . وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما . ولهديناهم صراطا مستقيمًا . . فمجرد البدء , يتبعه العون من الله . ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق . ويتبعه الأجر العظيم . وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم . . وصدق الله العظيم . . فما يخدع الله - سبحانه وتعالى - عباده ; ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ; ولا يحدثهم إلا حديث الصدق . . (ومن أصدق من الله حديثًا)? في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص . ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة . فهذا الدين عزائم ورخص . والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة . . وبعض المخلصين حسني النية , الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين , يعمدون إلى "الرخص " فيجمعونها ويقدمونها السابق - التالي
|